
✍️ محمد الفاتح حضرة
🧐 عندما يتحدث الناس اليوم عن وصول الدولار إلى أرقام غير مسبوقة وانهيار الجنيه السوداني بصورة متسارعة، فإن كثيرين ينشغلون بالنتائج ويتركون الأسباب الحقيقية.
🤨 يتحدثون عن السماسرة
ويتحدثون عن المضاربين
ويتحدثون عن شركات تشتري العملات الأجنبية من السوق الموازي
ويتحدثون عن المضاربات اليومية في السوق الأسود
لكن السؤال الحقيقي الذي يتم الهروب منه دائماً هو:
من الذي أوصل السودان إلى هذه المرحلة أصلاً؟!
🛑 الحقيقة التي لا يستطيع أحد إنكارها أن الكارثة الاقتصادية الحالية بدأت مع انقلاب 25 أكتوبر 2021..
فذلك الانقلاب لم يُسقط حكومةً فحسب
بل دمّر مسار الانتقال المدني كله
وأدخل البلاد في حالة شلل سياسي واقتصادي
وأفقد السودان ثقة المجتمع الدولي
وأوقف فرص التعافي الاقتصادي والاستثماري
⚠️ ثم جاءت اللحظة الأخطر عندما تحولت الخلافات بين البرهان وحميدتي من شراكة انقلاب إلى حرب شاملة على السلطة والثروة والحكم..
فكانت النتيجة:
تدمير المدن
انهيار مؤسسات الدولة
توقف الإنتاج
شلل حركة التجارة
فرار رؤوس الأموال
تدمير الزراعة والصناعة
انهيار سلاسل الإمداد
وضياع موارد البلاد أو خروجها عن السيطرة
ثم في النهاية جاء انهيار الجنيه السوداني كحصيلة طبيعية لكل ذلك، لا كحادث منفصل عنه.
🧐 ولهذا فإن الحديث عن الدولار اليوم يشبه الحديث عن دخان كثيف في السماء مع تجاهل النار المشتعلة في أساسات المبنى نفسه.
فالاقتصاد السوداني لم يسقط بسبب المضاربين والسماسرة
بل سقط لأن الدولة نفسها دخلت في حالة تفكك شامل سياسي وأمني ومؤسسي.
🌿 عندما نتأمل سنن الله في القرآن الكريم نجد أن ما يحدث للمجتمعات لا ينفصل عن أفعالها ومسارها العام وظلمها وفسادها:
📖 قال تعالى:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
الروم: 41
📖 وقال الله تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
الشورى: 30
📖 وقال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
الرعد: 11
🧐 هذه ليست آيات للعقاب الفردي المباشر كما قد يُفهم خطأً، لكنها سنن عامة في سقوط الدول وفساد المجتمعات والشعوب عندما يختل العدل، ويستفحل الظلم، وتضيع الأمانة، وتتحول السلطة إلى أداة صراع لا أداة بناء.
⚖️ يقول النبي ﷺ محذراً من تعطّل منظومة العدالة والسكوت على الفساد:
📜 «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ».
📜 وقال ﷺ:
«مَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ»
🛑 وهذه النصوص لا تُستخدم لإصدار أحكام على أفراد بعينهم، وإنما لبيان أن الفساد السياسي والاقتصادي، وغياب العدل، والصراع على السلطة، تؤدي في النهاية إلى ضيق المعيشة واضطراب الأحوال وانهيار الاقتصاد.
🤨 الأخطر من الانهيار الاقتصادي نفسه، هو ما بدأ يظهر من انهيارٍ أخلاقي واجتماعي مقلق.
😔 هناك من فقد منزله
ومن فقد سيارته
ومن فقد مصدر رزقه
ومن أصبح لاجئاً أو نازحاً
ومع ذلك نرى مظاهر لا يمكن فهمها بسهولة في سياق هذه الكارثة:
حفلات غناء صاخبة
وحفلات زواج تُنفق عليها أموال ضخمة
وبذخ واستعراض للثروة
وإنفاق يصل إلى مستويات لا تعكس حجم المأساة الوطنية
📖 القرآن الكريم يضع معياراً أخلاقياً واضحاً لهذا الباب:
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾
الإسراء: 26-27
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
الأعراف: 31
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾
الفرقان: 67
🧐 هذه ليست نصوصاً مثالية مجردة، بل هي معايير لضبط سلوك المجتمعات وقت الأزمات قبل الرخاء، فكيف إذا كان المجتمع يعيش حرباً وانهيار دولة وتشرد ملايين الناس؟!
🤔 أي رسالة يبعثها هذا المشهد؟
وأي وعي يعكسه هذا الانفصال بين الواقع والممارسة؟!
⚠️ وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاهل ظهور مظاهر أخرى أكثر خطورة، مثل جرائم السرقة والنهب والاحتيال التي ارتكبها بعض الأفراد داخل السودان وخارجه، وهي أفعال فردية لكنها تسيء لصورة ملايين السودانيين الشرفاء الذين يتمسكون بالقانون رغم الانهيار.
🛑 وكذلك لا يمكن إنكار أن بعض هذه السلوكيات السلبية ظهرت داخل بيئات اللجوء أيضاً، إلى جانب معاناة وصبر وكفاح شريف يقوم به الغالبية العظمى من اللاجئين الذين يعيشون ظروفاً قاسية خارج وطنهم.
وفي النهاية فإن ما نعيشه اليوم ليس مجرد انهيار في سعر الجنيه السوداني
بل انهيار في الدولة
وانهيار في الاقتصاد
وانهيار في منظومة الأولويات عند بعض الناس
وانهيار في الوعي الذي يفصل بين السبب والنتيجة
😔 فالأمم لا تُهزم فقط عندما تخسر أموالها
بل تُهزم أيضاً عندما تسؤ أخلاقها فتفقد قدرتها على رؤية الطريق الذي أوصلها إلى ما هي فيه..
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ



