


كتب: معاوية أبوالريش
في زمن باتت فيه السياسة تتقدم على الرياضة، وأصبح جواز السفر أهم من شهادة الكفاءة، برز اسم الحكم الدولي الصومالي عمر عبد القادر أرتان ليصبح رمزاً للإصرار والكرامة في وجه القرارات التعسفية. قصته ليست مجرد حادثة عابرة في هامش كأس العالم، بل هي درس بليغ في معنى الانتماء، وقيمة الكفاءة، وعجز الإقصاء عن وأد المواهب.
“البداية: نجم صومالي يلمع على خارطة التحكيم الدولي”
توّج أرتان مسيرته التحكيمية بلقب أفضل حكم في إفريقيا للرجال عام 2025، وهو ما دفع الاتحاد الإفريقي لكرة القدم إلى ترشيحه للمشاركة في أكبر بطولة كروية في العالم. ولم يكن ذلك مفاجئاً لمن تابع مسيرته، إذ اختاره الاتحاد الدولي لكرة القدم ضمن قائمة تضم 52 حكماً مكلفين بإدارة مباريات كأس العالم 2026، وهو تكريم يعكس حجم الثقة الدولية في كفاءته ونزاهته.
“الأزمة: جواز سفر دبلوماسي لا يكفي”
لم تكن الرحلة إلى أمريكا مجرد سفر عادي، بل كانت ملحمة من الإجراءات المضنية. إذ اضطر أرتان للتوجه إلى العاصمة الكينية نيروبي، بسبب غياب سفارة أمريكية في الصومال، حيث استخرج جواز سفر دبلوماسياً بمساعدة سفارة بلاده، على أمل أن يفتح له ذلك الأبواب الموصدة. وفعلاً، مُنح تأشيرة دبلوماسية متعددة لمدة ثلاثة أشهر، بعد أن خضع لتدقيق أمني مسبق من قِبَل مسؤولي السفارة الأمريكية في نيروبي.
غير أن كل ذلك لم يجدِ نفعاً. فعند وصوله إلى مطار ميامي قادماً من إسطنبول، فوجئ بمنعه من دخول البلاد وإعادته من حيث أتى، دون توضيح رسمي شافٍ للأسباب. وأشارت تقارير إلى أن الأمر مرتبط بسياسة حظر السفر التي تطبقها واشنطن على مواطني دول بعينها، من بينها الصومال، حيث تخضع طلبات الدخول لقيود خاصة بصرف النظر عن طبيعة الجواز أو نوع التأشيرة.
“العودة: استقبال الفاتحين”
حين هبطت طائرة أرتان في مطار آدم عبدالله الدولي بمقديشو، لم يكن يعلم أن وطنه ينتظره بقلب مفتوح. احتشد المواطنون والمسؤولون لاستقباله استقبال الفاتحين، وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مؤثرة للحظة العودة، معبّرين عن فخرهم بابن بلادهم الذي رفع اسم الصومال في الملاعب الدولية. ثم استقبله رئيس مجلس الوزراء حمزة عبدي بري في مكتبه، مُشيداً بإصراره وكفاءته.
وعلى صعيد التضامن الشعبي والمادي، تسابق الصوماليون في الداخل والخارج على تكريمه، إذ حفزه رجل أعمال صومالي بمنحه مكافأة مالية سخية بلغت خمسين ألف دولار ، فيما أعلن أبناء الجالية الصومالية في الولايات المتحدة عن إطلاق حملة تبرعات تضامنية، في مشهد يعكس عمق الجرح الذي خلّفه القرار الأمريكي في الوجدان الصومالي.
“الرد الأوروبي: منصة أرقى وتكريم أجدر”
لم يطل انتظار الاعتراف الدولي. حيث أعلن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم “يويفا” رسمياً أن أرتان سيتولى إدارة مباراة كأس السوبر الأوروبي 2026 بين باريس سان جيرمان الفرنسي وأستون فيلا الإنجليزي، المقررة في الثاني عشر من أغسطس المقبل بمدينة سالزبورج النمساوية. وأشاد رئيس يويفا ألكسندر تشيفيرين بإمكانات أرتان، مؤكداً أنه من أبرز الحكام الصاعدين في القارة الإفريقية، وأن سجله التحكيمي وخبراته في المباريات الكبرى جعلاه جديراً بهذه المهمة الرفيعة.
وأضاف رئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم باتريس موتسيبي صوته إلى هذا الإجماع قائلاً: “لقد رفع عمر أرتان اسم الصومال وشعوب القارة الأفريقية بأكملها عالياً، وإنه لشرف عظيم له وللحكام الأفارقة، كما أنه مثال رائع على قدرة كرة القدم على توحيد الشعوب من إفريقيا وأوروبا والعالم أجمع”
“الكفاءة لا تُرحَّل”
ظنّت واشنطن أنها حين أغلقت بوابة ميامي في وجه عمر أرتان، إنما أسدلت الستار على مسيرته. لكنها لم تفعل سوى أن أعادت رسم مساره نحو وجهة أكبر وأبهى. فالرجل الذي أُعيد على متن طائرة دون أن يطأ أرض البطولة، عاد إلى بلاده بهامة مرفوعة، واستقبله شعبه استقبال القادة، ثم التفتت إليه أوروبا لتمنحه مفاتيح أحد أرفع مشاهدها الكروية.
في هذه القصة رسالة بالغة لكل من يظن أن قرارات الاستبعاد قادرة على محو الكفاءة: الموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى إذن لتتألق، وصاحبها لا يحتاج إلى باب بعينه ليدخل من التاريخ.
عمر أرتان لن يُذكر باعتباره الحكم الذي مُنع من كأس العالم، بل باعتباره الحكم الذي أثبت أن الحدود تقف أمام الجوازات، لا أمام العظمة.



