الأعمدة

كيف كنا نعيش قبل الهواتف الذكية؟

نزار عثمان السمندل
سؤال باغتني وأنا أقضي أربعاً وعشرين ساعة (فقط)، خارج التغطية.
عطلٌ مفاجئ أصاب هاتفي، فانطفأت معه أشياء كثيرة أكبر من شاشة صغيرة في الجيب. توقفت حركتي على نحو أربكني.
أوراقي الثبوتية هناك. حسابي البنكي. رخصة القيادة. تطبيقات الجهات الحكومية. كودات العمل التي أحتاجها لتشغيل جهازي في الجريدة. وقبل ذلك كله أصوات الذين أحبهم صارت هناك.
خلال يوم واحد فقط اكتشفت أن هاتفي لم يعد هاتفاً. صار محفظتي ومكتبي ومصرفي وأرشيفي وذاكرتي وخريطتي وطريقي إلى العالم.
ما وقع لم يكن عطلاً تقنياً هامشياً. كان أشبه بنزع جزء حيوي من الجسد. شبكة كاملة من العمل والعلاقات واليقين تعطلت. لم تتوقف آلة صغيرة في جيبي، توقفت منظومة كاملة اعتدت أن أتكئ عليها دون أن أشعر.
جاء ذلك في ظرف استثنائي يزيد القلق ثقلاً. حرب في الخليج تشغل بال عائلتي عليّ، وحرب في السودان تشغل قلبي عليهم. انشغل أهلٌ وأصدقاء لأنهم فقدوا القدرة على الاطمئنان إلى صوتي، وانشغلت أنا لأنني فقدت القدرة على الوصول إلى أصواتهم.
في مثل هذه اللحظات لا يعود الهاتف وسيلة اتصال فحسب، بقدر ما يتحول إلى خيط طمأنينة يمتد بين القلوب المتباعدة.
لهذا لم يكن ما شعرت به مجرد ضيق بسبب جهاز معطل. كان شعوراً بفقدان القدرة على الوصول؛ الوصول إلى الناس، وإلى العمل، وإلى الوثائق، وإلى الاطمئنان نفسه.
ثم وجدتني أعود إلى سؤال قديم:
كيف كنا نعيش قبل كل هذا؟
أتذكر عالماً كان الإنسان يحمل فيه حياته معه، لا داخل شريحة إلكترونية. النقود في الجيب. الوثائق في المحفظة. أرقام الأحباء محفوظة في الذاكرة أو مكتوبة على ورقة مطوية في دفتر صغير. موعد اللقاء يعني موعد اللقاء. والعالم مليء بالبدائل لأن أحداً لم يبنِ حياته على افتراض أن الجميع متصلون دائماً.
أما نحن اليوم؛ فقد شيدنا حياتنا فوق درجات متراكمة من التكنولوجيا، درجة فوق أخرى حتى تسربت إلى أدق تفاصيل وجودنا.
نقلنا إليها ذاكرتنا وأرقامنا وصورنا وأسرارنا ووثائقنا ومفاتيح أعمالنا، ثم اكتشفنا أنها لم تعد مجرد أدوات نستخدمها. صارت جزءاً من البنية اللوجستية التي نستند إليها لكي نعيش يومنا العادي.
المفارقة أن التكنولوجيا جاءت لتوسع مساحة الحرية، لكنها دفعتنا، شيئاً فشيئاً، إلى نوع جديد من الاعتماد. العالم الحديث مصمم على افتراض الاتصال الدائم. لذلك يبدو انقطاع الهاتف اليوم أقرب إلى انقطاع الماء أو الكهرباء منه إلى تعطل جهاز إلكتروني.
لا أكتب هذا تحسراً على الماضي، ولا خصومة مع الحداثة. المسألة أعمق بكثير. كل تقنية تمنح الإنسان قدرة جديدة، لكنها تطلب ثمناً في مكان آخر.
السيارة منحتنا السرعة وأخذت شيئاً من ألفة المشي.
الآلة الحاسبة منحتنا الدقة وأخذت شيئاً من مهارة الحساب الذهني.
والهاتف الذكي منحنا اتصالاً دائماً بالعالم، لكنه جعل لحظة الانقطاع تبدو كأنها عزلة وجودية مفاجئة.
ربما كانت تلك الساعات الأربع والعشرون درساً صغيراً وبليغاً في الوقت نفسه. لقد أجبرتني على مواجهة حقيقة لم أفكر فيها كثيراً: جزء متزايد من حياتي لم يعد يقيم داخلي، بل داخل جهاز صغير أحمله في جيبي.
وحين انطفأت الشاشة، وخفَت الضوء، وغابت الإشارة، وجدت نفسي وجهاً لوجه أمام سؤال أكبر من الهاتف كوسيلة تواصل.
من نكون عندما تصمت الشاشات؟
من نكون عندما تتوقف التنبيهات، وتتوارى التطبيقات، وينسحب ذلك الضجيج الرقمي الذي يرافقنا من الصباح إلى الصباح؟
ربما كان هذا هو السؤال الحقيقي الذي تطرحه التكنولوجيا على الإنسان المعاصر.
ليس ما الذي أضافته إلى حياتنا فحسب، وإنما ما الذي أخذته منها أيضاً.
وأي جزء من ذواتنا ما زال يقيم في الداخل، بعيداً عن الشاشات، وقادراً على النجاة حين ينطفئ كل شيء.

زر الذهاب إلى الأعلى