الأعمدة

منطق الڤار..المريخ يدافع عن حقوقه.. والشكوى ليست عيباً.. والكلمة الأخيرة للقانون.. إسماعيل جبريل تيسو..

بسخرية واضحة واستخفاف لا تخطئه العين، استقبل بعض أنصار الهلال الشكوى التي تقدم بها نادي المريخ بشأن مشاركة عدد من اللاعبين الأجانب في قمة الأربعاء، وكأن اللجوء إلى اللوائح والقوانين أصبح أمراً معيباً أو ينتقص من قيمة التنافس داخل المستطيل الأخضر، والحقيقة أن الشكوى حق أصيل تكفله الأنظمة لكل نادٍ يعتقد أن منافسه استفاد من وضع قانوني يستوجب المراجعة والتدقيق، ولا ينبغي أن يتحول التمسك بهذا الحق إلى مادة للسخرية أو التقليل من شأن صاحبه، ولعل خير دليل على ذلك ما حدث في النسخة الأخيرة من بطولة الأمم الأفريقية التي استضافتها المغرب، حين حسمت السنغال اللقب داخل الملعب بفوزها على أصحاب الأرض بهدف دون رد، غير أن المنتخب المغربي لجأ إلى المسار القانوني وطعن في النتيجة، ليُسحب الكأس من خزائن (أسود التيرانغا) ويستقر في نهاية المطاف لدى (أسود الأطلس).

وهكذا تؤكد الوقائع أن الرياضة الحديثة لم تعد تعتمد على ما يحدث داخل الملعب فحسب، بل تقوم أيضاً على منظومة متكاملة من اللوائح والقوانين التي تضمن العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين، ومن هذا المنطلق، يملك المريخ كامل الحق في الطعن بشأن مشاركة ( اللاعب) أو اللاعبين الذين أثير حولهم الجدل، طالما أنه يرى أن المستندات النهائية التي تثبت حصولهم على الجنسية السودانية لم تُعرض أو لم يُحسم أمرها بشكل قاطع، وفي نهاية المطاف، يبقى الفيصل للجهات المختصة وحدها، لا لمنصات التواصل الاجتماعي ولا لأصوات المدرجات.

وليس جديداً على عالم كرة القدم أن تُحسم نتائج أو بطولات عبر الأروقة القانونية بعد نهاية المباريات، ولذلك فإن مجرد تقديم الشكوى لا يعني التشكيك في فوز الهلال أو الانتقاص من قدرات لاعبيه، وإنما يمثل استخداماً مشروعاً لأداة قانونية متاحة للجميع، والأهم من ذلك أن المريخ نفسه لم يكن بعيداً عن تحقيق الفوز في ديربي الأربعاء، بل إن كثيراً من المراقبين بما فيهم ( الهلالاب أنفسهم) رأوا أن المريخ كان الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، غير أنه افتقد التوفيق، ودرهم الحظ، و(عوامل أخرى) حالت دون ترجمة أفضليته إلى أهداف.

وإذا اقتربنا من جوهر القضية، فإن التساؤل الذي يطرحه المريخ يبدو منطقياً ومشروعاً، فلوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، التي يستند إليها الاتحاد السوداني، تقدم تعريفاً واضحاً للاعب المجنس، وفي المقابل تفرض لوائح الاتحاد السوداني قيوداً محددة على عدد اللاعبين الأجانب المشاركين في المباريات، ولو لم تكن هذه الضوابط موجودة، لكان بإمكان المريخ هو الآخر إشراك عدد أكبر من محترفيه الأجانب، غير أن النادي الأحمر التزم بما تتيحه اللوائح وفق فهمه لها، بينما يرى أن الهلال استفاد من وضع مختلف أتاح له الدفع بعدد أكبر من العناصر الأجنبية.

ويزداد هذا الطرح قوة إذا ما نظرنا إلى تفاصيل المباراة نفسها، إذ إن الهدف الذي منح الهلال لقب بطولة النخبة، جاء بتوقيع محترف أجنبي، كما أن اللاعب الذي صنع الهدف ينتمي للفئة ذاتها، فضلاً عن أن التبديلات التي أجراها الجهاز الفني للهلال خلال الشوط الثاني أضافت للفريق أفضلية واضحة وأسهمت في ترجيح كفته، ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة أن تُثار تساؤلات حول قانونية المشاركة إذا كانت هناك بالفعل إشكالات تتعلق بالوضع القانوني لبعض اللاعبين.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن الشكوى لا ينبغي أن تُستخدم للتقليل من الأداء المميز الذي قدمه المريخ في القمة، فقد ظهر الفريق بصورة أفضل من غريمه، وفرض شخصيته على مجريات اللقاء، لا سيما خلال الشوط الأول، إلى درجة أن عدداً كبيراً من أنصار الهلال أقروا بصعوبة المواجهة وحجم المعاناة التي واجهها فريقهم خلالها، غير أن الحظ أدار ظهره للمريخ، بعدما أهدر لاعبوه فرصاً محققة كان من الممكن أن تغيّر مسار المباراة ونتيجتها.

ويُحسب للمريخ أنه وقف نداً قوياً أمام الهلال، الفريق الذي يصفه كثيرون اليوم بأنه صاحب مشروع متكامل، مدعوم بعناصر أجنبية مميزة، ومستفيد من استقرار إداري وفني امتد لأكثر من ستة أعوام، وخلال هذه الفترة تمكن الهلال من بناء فريق تنافسي قادر على مجابهة كبار أندية القارة والوصول إلى مراحل متقدمة في دوري أبطال أفريقيا، فيما ظل المريخ أسيراً لحالة من عدم الاستقرار الإداري والفني انعكست سلباً على نتائجه المحلية والقارية، وأبعدته عن منصات التتويج وأثرت على مكانته في التصنيف الأفريقي.

ورغم ذلك، فإن ما يدعو للتفاؤل داخل القلعة الحمراء هو أن ملامح التعافي بدأت تبرز بوضوح خلال الموسم الحالي، حيث شهد الفريق تطوراً ملحوظاً على مستوى الأداء الفني والروح القتالية، ويُحسب هذا التطور للجنة التسيير بقيادة المهندس (مجاهد سهل)، التي وضعت ملف كرة القدم في مقدمة أولوياتها، وعملت على تدعيم الفريق بعناصر مميزة أسهمت في رفع معدلات التنافس وتحسين المستوى العام.

ولا تزال جماهير المريخ تتطلع إلى المزيد من الانتدابات النوعية التي تسد الثغرات وتمنح الجهاز الفني خيارات أوسع خلال المرحلة المقبلة، وفي الوقت نفسه تواصل الصفوة إعلان دعمها الكامل للجنة التسيير ومساندتها في كل خطوة من شأنها إعادة النادي إلى موقعه الطبيعي على المستويين المحلي والقاري.

أما الإعلام المريخي، فتقع على عاتقه مسؤوليةٌ لا تقل أهميةً في هذه المرحلة، ليس من باب التعصب أو تأجيج الأزمات، وإنما من منطلق الدفاع عن حقوق النادي، ومراقبة أداء المؤسسات الرياضية بما فيها الاتحاد العام ولجانه المساعدة، والمطالبة بتطبيق اللوائح على الجميع دون استثناء، فالعدالة الرياضية لا تتحقق بالشعارات، وإنما بالاحتكام إلى القانون واحترام أحكامه، وإذا كان المريخ يرى أن له حقاً مشروعاً في هذه القضية، فمن الطبيعي أن يتمسك به حتى النهاية، لأن الحقوق لا تُنتزع بالصمت، وما ضاع حق وراءه مطالب.

زر الذهاب إلى الأعلى