منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحولت الأجواء السودانية إلى واحدة من أعقد ساحات حرب الطائرات غير المأهولة (الدرونز) في أفريقيا.
ورغم تدفق تقارير عسكرية من جهات موثوقة تستعرض دخول أسلحة نوعية وحديثة إلى ترسانة الجيش السوداني، إلا أن هنالك مفارقة صادمة تظل قائمة؛ إذ تزداد قائمة الأسلحة المتطورة طولاً، بينما تستمر الاختراقات الجوية وهجمات المسيّرات في حصد أهدافها.
هذا التناقض يضعنا أمام تساؤل استراتيجي ملحّ، ألا وهو لماذا يعجز التسليح الحديث، الذي يُقدّر بملايين الدولارات، عن حسم معركة السماء ضد أهداف لا تتعدى تكلفتها بضعة آلاف دولارات؟
معضلة معقدة
تُظهر تقارير استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT) أن الجيش السوداني تحرك لتنويع مصادر تسليحه لمواجهة التفوق التكتيكي للمسيّرات التي يستخدمها الطرف الآخر بكثافة وفاعلية، ولم يعد الأمر مقتصراً على الإرث السوفيتي من التسليح القديم.
وتجلّى هذا التحول في المؤشرات المتزايدة على إدخال منظومة HİSAR-A التركية للدفاع الجوي، وهي منظومة طوّرتها شركتا ASELSAN وROKETSAN لحماية القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية من التهديدات الجوية القريبة.
وتتميز بامتلاكها رادار كشف وتتبع حديث، ويبلغ مداها الاعتراضي نحو 15 كيلومتراً، مع قدرة على الاشتباك مع أهداف على ارتفاع يصل إلى حوالي 8 كيلومترات.
جاء ذلك بالتزامن مع الاعتماد على المسيّرات الإيرانية من طراز مهاجر-6 لتقديم الإسناد الهجومي والاستطلاعي طويل المدى، بالإضافة إلى الاستعانة بالدعم الصيني والروسي المتجدد عبر تحديث منظومات الرادار وعائلة صواريخ HQ الصينية لخلق جدار صد دفاعي.
ورغم هذا “الكوكتيل” التسليحي المتطور، لم يتغير مسار الحرب الجوية بشكل جذري؛ فبينما تدخل أسلحة القرن الحادي والعشرين إلى الخدمة، لا تزال الدفاعات تُخترق بشكل متكرر.
تشريح الفشل
إن استمرار نجاح هجمات المسيّرات على العاصمة الخرطوم ومسارح العمليات في الولايات الأخرى، رغم وجود هذه الترسانة، يعود إلى معطيات تكتيكية واستراتيجية تفرضها طبيعة الحرب الحديثة.
إذ تواجه المنظومات الحديثة معضلة اقتصادية وعملياتية مرعبة؛ إذ تُطلق المسيّرات الانتحارية الصغيرة أو التجارية المعدلة بكثافة ضمن ما يُعرف بـ”أسراب الإغراق”.
وتكمن المعادلة غير المتكافئة في أن إطلاق صاروخ دفاع جوي متطور تصل تكلفته إلى مئات آلاف الدولارات لإسقاط مسيّرة بدائية قيمتها ألفا دولار، يعد فشلاً استراتيجياً بحد ذاته، لأنه يؤدي إلى نفاد ذخيرة المنظومات الثمينة بسرعة وترك الأجواء مكشوفة تماماً، وهذا بالضبط ما يحدث في مسرح العمليات الجوية في الحرب السودانية.
وكما هو معلوم في العقيدة العسكرية الحديثة، لا تعمل منظومة الدفاع الجوي بمفردها، بل يتطلب النجاح ربط رادارات الإنذار المبكر، ومنظومات الحرب الإلكترونية، والمدفعية المضادة، وصواريخ الاعتراض، في شبكة قيادة وسيطرة موحدة وآلية.
أما واقع الحال في الحرب السودانية، فإن غياب هذا التكامل يجعل المنظومات تعمل كـ”جزر معزولة”، مما يخلق ثغرات قاتلة تستغلها المسيّرات منخفضة الارتفاع ذات البصمة الرادارية شبه المنعدمة.
ويعكس هذا الغياب، بلا شك، ضعفاً واضحاً في القدرات التشغيلية للأطقم الفنية والقتالية، سواء على مستوى التنسيق أو سرعة الاستجابة أو الكفاءة في إدارة الاشتباك، وهو ما يساهم مباشرة في استمرار الإخفاقات الدفاعية.
كذلك، فإن أحد العوامل الحاسمة، وربما السلاح الأنجع ضد المسيّرات، هو أنظمة الحرب الإلكترونية القادرة على قطع اتصالات GPS وشل حركة الطائرة.
وبالتالي، فإن وجود منظومات حركية مثل الصواريخ دون شبكة تشويش إلكتروني واسعة ومكثفة، يجعل من السهل على المسيّرات المناورة واختراق الخطوط الدفاعية.
معضلة الجغرافيا الشاسعة
بمساحة تتجاوز 1.8 مليون كيلومتر مربع، يصبح تأمين السودان بالكامل بمظلة دفاعية أمراً مستحيلاً من الناحية اللوجستية. وحتى لو امتلك الجيش بضع بطاريات حديثة، فإنها ستُخصص لحماية العاصمة أو القواعد الجوية الرئيسية، مما يترك القوات المتحركة، وخطوط الإمداد، والولايات الأخرى عرضة للهجمات المستمرة.
ويرتبط هذا الإخفاق أيضاً بشكل مباشر بالعاملين البشري واللوجستي؛ إذ إن تشغيل منظومات معقدة مثل HİSAR-A أو الرادارات الحديثة يتطلب تدريباً تخصصياً مكثفاً ومنحنى تعلم متسارعاً يمتد لأشهر، إلى جانب خبرات تشغيلية وتكتيكية تتراكم عبر سنوات من الممارسة الفعلية. وهي متطلبات يصعب تحقيقها في ظل ظروف الحرب الراهنة.
ويزداد هذا التحدي تعقيداً إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الصراع المسلح في السودان، تاريخياً، انحصر في حروب الأطراف كما في دارفور وهي حروب اعتمدت تكتيكياً على الحركة البرية السريعة باستخدام المركبات القتالية الخفيفة، ولم تشهد مواجهة مستمرة مع تهديدات جوية متطورة مثل الطائرات المسيّرة أو الذخائر الموجهة.
لذلك، فإن العقيدة القتالية والخبرة العملياتية لدى الأطقم السودانية لم تُبنَ أساساً للتعامل مع هذا النوع من الحروب عالية التقنية.
وينعكس هذا القصور بشكل أكثر وضوحاً عند الاصطدام بأزمة سلاسل الإمداد المتقطعة، التي تحرم هذه الأنظمة من التدفق المستمر لقطع الغيار والذخائر والدعم الفني، سواء بسبب الضغوط السياسية أو العقوبات أو الصعوبات اللوجستية في بلد يعاني من تدهور واسع في بنيته التحتية.
وفي ظل هذه الظروف، تتحول حتى أكثر المنظومات تطوراً إلى قدرات محدودة الفعالية على أرض المعركة.
فساد صفقات التسليح
إن الإخفاق العملياتي لا يمكن عزله عن الكواليس الإدارية والمالية لصفقات التسليح؛ إذ يرى مراقبون أن الفساد المالي، واللهاث وراء العمولات والمنافع الشخصية، غالباً ما يزيح معايير الوطنية والتجرد الاستراتيجي في اختيار السلاح الأنسب للميدان.
وبدلاً من التركيز على الكفاءة التقنية والقدرة على التكامل مع المنظومات القائمة، تصبح بعض الصفقات رهينة لشبكات وسيطة وخطوط إمداد غامضة.
وقد كشفت بوضوح فضائح شبكات التهريب والالتفاف الدولية، مثل قضية الإيرانية “شميم مافي” التي أُوقفت في الولايات المتحدة بتهم ترتبط بشبكات المشتريات غير القانونية وتجاوز العقوبات، كيف يمكن أن تقع صفقات التسلح الحيوية في فخ المصالح الضيقة والعمولات، ما ينعكس في النهاية على أرض الواقع كعجز وفشل ذريع في حسم المعارك وتأمين الأجواء.
تؤكد الحرب السودانية حقيقة عسكرية صارمة أفرزها القرن الحادي والعشرون، وهي أن الحروب تُحسم بالقدرة على دمج الأسلحة الحديثة مع عقيدة قتالية متكاملة ومستدامة.
إن استمرار وصول المسيّرات إلى أهدافها في العاصمة الخرطوم ومسارح العمليات بالولايات المختلفة هو، بلا أدنى شك، انعكاس لقصور فكرة “الحلول الترقيعية” عبر شراء منظومات منفصلة دون بناء شبكة دفاع جوي وحركي وإلكتروني متكاملة، يضاف إليها نخر الفساد في جسد التعاقدات العسكرية.
وطالما ظلت المنظومات الحديثة تعمل بمعزل عن النزاهة وعن استراتيجية شاملة ومترابطة، ستبقى سماء السودان مفتوحة أمام المفاجآت، وسيبقى التفوق التكنولوجي، إن وجد، مجرد أرقام على الورق.



