الأعمدة

نارانجيتو.. التعويذة اللذيذة أكثر تمائم المونديال شهرةً وجدلاً في التاريخ هل كانت فكرتها مسروقة؟

بقلم المؤرخ الموسوعي .. جمال عبد الحميد
رغم مرور 44 عامًا على تنظيم بطولة كأس العالم 1982 في إسبانيا، فإن أصداء تلك النسخة لا تزال حاضرة بقوة في ذاكرة عشاق كرة القدم حول العالم. فقد تُعد تلك البطولة واحدة من أمتع وأقوى نسخ المونديال عبر التاريخ، ليس فقط لما شهدته من مباريات مثيرة، بل أيضًا لما رافقها من قصص خفية وحكايات لا تُنسى، وفي مقدمتها قصة التعويذة الشهيرة «نارانجيتو».
كانت تميمة مونديال 1982 «نارانجيتو»، التي ارتبطت بـعرس الكرة العالمي في إسبانيا، واحدة من أكثر التمائم إثارة للجدل في تاريخ البطولة. فقد جاءت بشكل غير تقليدي تمامًا، حيث تمثلت في شكل برتقالة مبتسمة ترتدي قميص المنتخب الإسباني، وتحمل كرة قدم، في تصميم مستوحى من كلمة «نارانجا» الإسبانية التي تعني البرتقال، رمزًا لوفرة هذه الفاكهة في البلاد.
عندما قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم اعتماد فكرة التميمة، أُسندت المهمة إلى الدولة المستضيفة عبر اللجنة المنظمة، كما جرت العادة في النسخ السابقة، حيث كانت التمائم غالبًا حيوانات أو شخصيات بشرية بسيطة مثل الأسد «ويلي» في إنجلترا 1966 أو الطفل «خوانيتو» في المكسيك 1970. لكن مونديال إسبانيا كسر القاعدة، وفتح الباب أمام فكرة أكثر جرأة وابتكارًا.
في إسبانيا، جرى الإعلان عن مسابقة رسمية لاختيار التميمة، فتقدّم إليها 586 تصميمًا من فنانين ووكالات إعلانية ورسامي كاريكاتير. وبعد مراحل تصفية دقيقة، وصلت ثلاثة تصاميم إلى المرحلة النهائية «نارانجيتو» البرتقالة، وطفل يُدعى «برينديس» بزي تقليدي مرتبط بمصارعة الثيران، وثور كروي باسم «توريبالون». وفي النهاية، حسمت اللجنة اختيار البرتقالة لصالح «نارانجيتو»، لابتعادها عن رمزية مصارعة الثيران المثيرة للجدل داخل المجتمع الإسباني.
كان تصميم «نارانجيتو» من ابتكار خوسيه ماريا مارتن باتشيكو ودولوريس سالتو زامورا، من وكالة إعلانات في إشبيلية، وقد نالت الوكالة جائزة مالية ضخمة بعد الفوز. وتميزت التميمة بملامح مرحة وألوان زاهية، ما جعلها مناسبة لتكون رمزًا دعائيًا للمونديال.
لكن القصة لم تتوقف عند الفوز. فبمجرد اعتمادها، انطلقت «نارانجيتو» لتصبح جزءًا من الحياة اليومية في إسبانيا، حيث ظهرت في الصحف والتلفزيون والإذاعة، بل وقدمت سلسلة رسوم متحركة تعليمية بعنوان «كرة القدم في العمل» عبر شبكة RTVE RTVE، واستمر عرضها في 26 حلقة، ما رسّخ حضور التميمة في أذهان الأطفال والكبار على حد سواء.
كما تحولت «نارانجيتو» إلى علامة تجارية شعبية، ظهرت على الألعاب والملابس والأدوات المدرسية والمنزلية، لتصبح رمزًا تسويقيًا واسع الانتشار في مختلف أنحاء البلاد.
ورغم هذا النجاح، واجهت التميمة موجة رفض وانتقادات داخلية في إسبانيا. فقد اعتبرها بعض الفنانين والنقاد «غريبة الشكل» ولا تعكس الهوية الإسبانية بشكل كافٍ، وذهب آخرون إلى حد وصفها بأنها لا تليق بتمثيل الدولة المضيفة. حتى إن بعض الصحف، مثل «إل باييس»، نشرت آراء تنتقد التصميم وتشكك في قدرته على تمثيل روح المونديال، بل واعتبر البعض أنها قد تجلب الحظ السيئ للمنتخب الإسباني.
ومع تصاعد الجدل، ظهرت اتهامات بأن فكرة التعويذة «نارانجيتو» ليست أصلية بالكامل، وأنها ربما استُلهمت أو سُرقت من شخصية كرتونية تُدعى «روبيرتا»، ظهرت في البرنامج التلفزيوني الإسباني الشهير «واحد، اثنان، ثلاثة… أجب مرة أخرى»، وهو أحد أكثر البرامج شعبية في تاريخ التلفزيون الإسباني، الذي انطلق عام 1972 واستمر لعقود طويلة. وقد لفت البعض إلى تشابه في الملامح بين الشخصية التلفزيونية والتميمة، ما فتح باب الجدل حول أصل الفكرة.
ورغم هذه الاتهامات، نفى مصممو التميمة أي شبهة سرقة، وأكدوا أن التصميم كان إبداعًا مستقلًا مستوحى من رمزية البرتقال الإسباني، وأن اللجنة المنظمة اعتمدته بشكل رسمي بعد دراسة جميع المشاركات.
وهكذا، بقيت «نارانجيتو» حالة فريدة في تاريخ تمائم كأس العالم: رمزًا شعبيًا واسع الانتشار من جهة، وموضوعًا دائم الجدل من جهة أخرى، لتظل حتى اليوم واحدة من أكثر قصص المونديال إثارة وثراءً بالتفاصيل، وشاهدًا على كيف يمكن لتميمة بسيطة أن تتحول إلى جزء من ذاكرة بطولة بحجم كأس العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى