



كتب: المستشار معاوية أبوالريش
” تصريح أشعل جدلاً.. ونفي أشعل تساؤلاً ”
في واحد من الحوارات التي تجاوزت حدود التصريح الرسمي المُعدّ سلفاً، أدلى وزير الثقافة والإعلام والسياحة والآثار خالد الإعيسر، في لقاء أجراه معه الإعلامي أحمد طه على قناة الجزيرة مباشرة، بما اعتبره المتابعون اعترافاً صريحاً بوجود إعلاميين سودانيين كبار يتقاضون أموالاً مقابل الدفاع عن مواقف الجيش السوداني وتبرير أجنداته. وما إن انتشر المقطع وعمّت موجة الجدل مواقع التواصل الاجتماعي، حتى سارع الوزير إلى التراجع عبر تصريح خاص لوكالة السودان للأنباء “سونا”، قال فيه إن ما تم تناوله في بعض الوسائط عن حديث يتعلق بالصحفيين غير صحيح، مضيفاً أن هناك جهات معادية للخط الوطني تروّج لأخبار بغرض الفتنة وتفكيك التلاحم الوطني والمهني المناوئ لخط الميليشيا وأعوانها. وأكد أن الوسط الصحفي السوداني رفيع المستوى ولا يمكن أن ينساق خلف هذا النوع من التضليل السطحي، مناشداً المتلقين تحرّي الدقة في تداول هذه الأخبار “الملغومة”، ومختتماً بالقول: “نحن نمضي بخطى ثابتة، ولا تهزنا مثل هذه الأساليب المهزوزة”
غير أن هذا النفيَ، في حد ذاته، جاء محمّلاً بمفارقة كاشفة، إذ لم يُقدّم إيضاحاً لما أُشكل على المستمعين فهمه، ولم يُبيّن السياق الذي قيلت فيه الكلمات، بل آثر مهاجمة الناقلين واتهامهم بالعمل لحساب “جهات معادية”، وهو نمط متكرر في خطاب السلطة حين تضيق ذرعاً بما أفلت من بين يديها. والمنطق الصحفي البسيط يقول إن الإنكار الصادق يستلزم التوضيح لا الاتهام، والحجة لا الشتيمة. فإذا كان ما نُسب إلى الوزير مجتزأً أو مُحرَّفاً، فأين النص الكامل للحوار الذي يُبطل تلك القراءة؟ وإذا كانت الكلمات قد صدرت فعلاً كما سمعها الجمهور، فأيّ تراجع يُغسل ما سُكب؟
“بين الاعتراف والإنكار.. والحقيقة تسبح في المنطقة الرمادية”
ثمة لحظات نادرة في تاريخ السياسة والإعلام، تسقط فيها الأقنعة لا بفعل الرقابة أو الكشف الصحفي، بل بفعل صاحب القرار نفسه حين ينسى للحظة ما يُباح البوح به وما لا يُباح. وكان ما أدلى به الإعيسر على مرأى من كاميرا قناة دولية وأمام مُحاور محترف، واحدة من تلك اللحظات التي لا يُمحى أثرها بتصريح لاحق، مهما كانت صياغته محكمة. فالكلمة المُلقاة في الفضاء العام تصبح وثيقة يُساءل عنها صاحبها بصرف النظر عمّا يجيء بعدها من تفسير أو تبرير.
والأخطر من ذلك أن الجدل الذي أثارته التصريحات لم يكن وليد فراغ، بل جاء ليضع إصبعه على جرح مزمن طالما تهرّبت السلطة من الاعتراف بعمقه: أزمة الإعلام السوداني المرتبط بالمؤسسة العسكرية والسياسية، وتحوّله في مراحل عديدة من شريك في صناعة الرأي العام إلى أداة في يد من يملك الأموال والقرار.
“توظيف المال العام لشراء الولاءات الإعلامية”
إن صحّت في جوهرها التصريحات المنسوبة للوزير قبل نفيه إياها، فإن المسألة تتخطى حدود الزلة اللفظية لتبلغ مستوى السياسة الممنهجة. إذ يكشف توظيف أموال الدولة لاستئجار المواقف الإعلامية عن خلل هيكلي عميق في فهم السلطة لدور الإعلام، فالصحافة في أدوارها السليمة وسيط بين الحقيقة والناس، لا أداة في يد صاحب القرار يُشغّلها حين تخدم روايته ويُوقفها حين تُعاكسه. وحين تتحول المنابر إلى بنود في ميزانية الدعاية العسكرية، فإن الخسارة لا تقع على الصحافة وحدها، بل على المجتمع بأسره الذي يُحرم من حقه في معرفة الحقيقة كاملة غير منقوصة.
ومما يُضاعف وطأة الأمر السياقُ الإنساني المأساوي الذي تجري فيه هذه الوقائع ، إذ يرزح ملايين السودانيين تحت وطأة أشد أزمة في تاريخهم الحديث. فحين تُصرف موارد الدولة الشحيحة لتمويل الأقلام بدلاً من إغاثة المهجّرين والجرحى وأسر الشهداء، فإن الفجوة الأخلاقية بين السلطة ومن تدّعي تمثيلهم تبلغ حداً لا يُسوّغه خطاب مهما بلغت بلاغته.
“إرث المؤتمر الوطني وصناعة الإعلام الموجّه”
لا يمكن قراءة هذه الصورة بمعزل عن الإرث التاريخي لنظام الثلاثين من يونيو، الذي أتقن خلال ثلاثة عقود بناء منظومة إعلامية محكمة قامت على ثلاثة أعمدة: الترهيب، والتحريض، والتوظيف المالي للأقلام. وقد ربط ذلك النظام شريحة واسعة من الإعلاميين بخيوط المصلحة والعطاء، فأفرز جيلاً من أصحاب القلم الذين أتقنوا فن تلميع القيادات مهما عظمت الكوارث وتكاثرت الإخفاقات، وفن مهاجمة كل صوت مستقل ووسمه بالخيانة والعمالة.
والمفارقة المؤلمة أن هؤلاء أنفسهم، أو من يسيرون على نهجهم، باتوا اليوم يرتدون عباءة “الخط الوطني” ويُزايدون بالوطنية على من يجرؤ على نقد الأداء العسكري أو كشف مواطن الفساد في المؤسسات. وبذلك تتكرر المعادلة الكارثية: إعلام يخدم السلطة، وسلطة تحمي الإعلام الذي يخدمها، بينما يبقى المواطن وحيداً في مواجهة الدهشة والخذلان.
“أمام استحقاق المحاسبة: من يُحاكَم ومن يُكرَّم؟”
وثّقت نقابة الصحفيين السودانيين منذ نشوب القتال في عام 2023 وفاة اثنين وثلاثين صحفياً، وأكثر من خمسمائة وستة وخمسين انتهاكاً ضد العاملين في وسائل الإعلام، فضلاً عن توقّف العديد من الصحف ومحطات الإذاعة عن العمل، ما جعل من السودان واحداً من أخطر البلدان على ممارسة مهنة الصحافة. وفي هذا السياق المأساوي تحديداً تتجلى الفضيحة الأخلاقية في أبشع صورها: فبينما يُلاحَق الصحفيون الشرفاء الذين يكشفون الفساد ويُوثّقون الجرائم ويُسمّون الأشياء بأسمائها، يتقلّد الإعلاميون المأجورون المناصب ويتلقون العطايا ويُمنحون صفة “الخط الوطني”
إن المطلوب اليوم، قبل أي حديث عن إصلاح إعلامي حقيقي، هو قلب هذه المعادلة رأساً على عقب. فالإعلاميون الذين باعوا أقلامهم للسلطة وأسهموا بتضليلهم في إطالة أمد الحرب وتغذية أوهام النصر السهل ووأد أي مبادرة للحل السلمي، هؤلاء هم من ينبغي أن يمثلوا أمام القضاء، لا باعتبارهم أعداء الوطن فحسب، بل لأنهم كانوا شركاء في صناعة الموت حين أضفوا الشرعية على مسارات أودت بأرواح آلاف السودانيين وشردت الملايين. في المقابل، فإن الصحفيين الذين واجهوا التهديد والملاحقة والسجن بسبب كلمة صادقة أو تحقيق جريء يكشف ما لا تريد السلطة أن يُكشف، هؤلاء هم أصحاب الحق في الاعتراف والاعتذار والتكريم.
“الإعلام الذي نستحقه بعد الحرب”
ليست القضية في نهاية المطاف تصريحاً أدلى به وزير ثم نفاه. القضية أعمق وأبعد مدىً: أيّ إعلام نريد للسودان في مرحلة ما بعد الحرب؟ إعلام يُعيد بناء الثقة المجروحة بين الدولة ومواطنيها عبر الشفافية والمهنية والشجاعة في قول الحق؟ أم إعلام يستمر في حراسة الروايات الرسمية ويُحارب كل صوت يجرؤ على الخروج عن النص؟
الجيش الذي لا يُنتقد لا يتعلم من أخطائه، والقيادة التي لا تُحاسَب لا تجد حافزاً للإصلاح، والشعب الذي يُضلَّل لا يستطيع اتخاذ قراراته بوعي وحرية. وهذه الحقائق الثلاث مجتمعة هي ما أنتج الكارثة التي يعيشها السودانيون اليوم، وهي ذاتها ما ينبغي أن تكون مدخلاً لفهم ما جرى وما ينبغي أن يتغير.
إن الإجابة على سؤال الإعلام ليست ترفاً فكرياً، بل هي جزء لا ينفصل عن الإجابة على السؤال الأكبر والأكثر إلحاحاً: أيّ سودان نريد أن يولد من رحم هذه الحرب المأساة؟



