الأعمدة

تحالف القاهرة وأسمرا… وقود لحرب سودانية بلا نهاية

نزار عثمان السمندل
تكشف القمة الثنائية التي جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإريتري أسياس أفورقي في القاهرة، عن طبقات متراكبة من القلق الجيوسياسي الذي يضغط على القرن الأفريقي وامتداداته البحرية في البحر الأحمر.
لقاء يتجاوز بروتوكول الصور الرسمية، ويعيد فتح أسئلة الأمن الإقليمي، وحدود القوة، وهواجس الدول حين تضيق بها خرائط النفوذ وتتشابك فيها خطوط النار.
في البيان الختامي، حضرت عبارات مألوفة عن أمن الملاحة ومسؤولية دول الساحل، غير أن ما يتقدم خلف اللغة الدبلوماسية هو مشهد أكثر تعقيداً، تتصدره الحرب السودانية بوصفها نقطة ارتكاز غير معلنة.
هناك، في العمق السوداني، تتبلور حسابات القاهرة وأسمرا تجاه دعم قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، دعم يتجاوز حدود التعاطف السياسي إلى وظيفة استراتيجية مرتبطة بتوازنات البقاء الإقليمي.
القاهرة تنظر إلى المؤسسة العسكرية السودانية باعتبارها حاجزاً أمام تحولات قد تعيد رسم الاصطفافات في وادي النيل والقرن الأفريقي. القلق من تمدد نفوذ إثيوبيا، والتوجس من حضور أطراف إقليمية منافسة، يدفعان باتجاه تثبيت وضع عسكري في الخرطوم يمنع الانزلاق نحو سيناريوهات تعتبرها القاهرة تهديداً مباشراً لأمنها المائي وحدودها الجنوبية. في هذا السياق، تصبح الحرب المستمرة حالة يمكن التعايش معها طالما أنها تمنع الحسم الذي قد يأتي بفاعلين جدد إلى السلطة.
في المقابل، تتعامل أسمرا مع المشهد من زاوية أمنية صرفة، حيث يشكل شرق السودان مجالاً حيوياً بالغ الحساسية. استمرار الجيش السوداني في تلك المناطق يمنح إريتريا هامشاً من الاطمئنان تجاه احتمالات تشكل تحالفات بين قوى سودانية وإقليمية قد تعيد إنتاج التهديدات على حدودها. هكذا يتحول الدعم إلى أداة وقاية، وإلى جدار رمادي يفصل بين المخاوف والاحتمالات.
داخل هذه المعادلة، يتراجع الحديث عن تسوية سياسية شاملة، بينما تتقدم وقائع الاستنزاف اليومي. الدعم السياسي والدبلوماسي المعلن يرافقه، وفق تقديرات متقاطعة، تمكين غير مباشر يتيح استمرار آلة الحرب دون قدرة على الحسم، فتظل الجغرافيا السودانية عالقة في منطقة وسطى بين الدولة المتماسكة والكيان المنهك.
الاقتصاد يدخل بدوره إلى قلب المشهد. السودان، بما يملكه من موارد زراعية ومعدنية وحيوانية، يتحول إلى ساحة مفتوحة للتأثير والتبادل غير المتكافئ. حاجة السلطة في بورتسودان إلى الدعم الخارجي تخلق هامشاً واسعاً لإعادة ترتيب المصالح، حيث تتداخل التجارة بالسياسة، وتصبح الموارد جزءاً من هندسة النفوذ الإقليمي، وسط اتهامات متبادلة ومزاعم متفرقة تتداولها وسائل إعلام سودانية حول شبكات الاستفادة والتهريب.
في الخلفية، يتشكل إدراك مشترك لدى أطراف القمة بأن إعادة رسم التوازنات الكبرى في المنطقة مسار شديد الكلفة، وربما مستحيل في المدى القريب.
من هنا تتقدم إدارة الأزمة على حساب حلها، ويتحول إبقاء الوضع السوداني في حالة اشتعال منخفض إلى خيار يضمن استنزاف الخصوم وتثبيت خطوط الدفاع غير المعلنة.
بين القاهرة وأسمرا، تتبلور شراكة تقوم على إدارة الخطر أكثر مما تقوم على تجاوزه. وفي قلب هذه الشراكة، يبقى السودان مساحة مفتوحة للرهان، ومسرحاً لحرب طويلة تتقاطع فوقه الحسابات الإقليمية، فيما يظل الثمن موزعاً على الأرض والناس، وعلى زمن لا يبدو أنه يقترب من نهايته.

زر الذهاب إلى الأعلى