
عبد الكريم البليخ
آواه في بيته، فأغدق عليه من الخدمة ما استطاع، وأمده بالمال. بيدَ أن سخاءه لم يُطفِئ ما اعتمل في صدر ضيفه من نيّةٍ للإساءة إليه وتشويه سمعته بلا موجب، وظلّ الدافع خلف ذلك الغِلّ والحسد والكراهية العمياء سرّاً مستعصياً؛ إذ لم يَسلم من لؤمه حتى أقرب الناس إليه. هكذا صيغت سجيّته منذ نعومة أظفاره في كنف أمٍّ غريبةٍ عن أهل البلدة، بينما كان والده، البسيط المتواضع، طيّباً وديعاً، يحبّ الناس ويرِقّ لهم، ويتمنى لو يكافئهم فرداً فرداً لا تكلفاً، بل طبعاً شهد له به كلُّ من عرفه.
كان رقيق القلب، رحيم النفس، عطوفاً محبّاً للآخر… يرسم يومه بمحبّة الناس، ويسابقهم إلى مدّ يد العون، غير أنّ ذلك لم يترك بصمة على محيطه، ولا على أسرته على وجه الخصوص.
الفقرُ المدلهمّ الذي شدّ وثاق الأسرة سنينَ طوالاً دفع الأبَ إلى البحث عن مخرجٍ يخلّصهم من الحاجة التي أضنتهم، وقد تقلبوا على حصيرٍ في غرفةٍ وحيدةٍ من حجرٍ غشيم. ولمّا ضاقت به السبل، عزم على الرحيل خارج الوطن ليجلب رزقاً يرفع به رأسه ويقي أهله مرارة الواقع؛ وبعد عثرات متلاحقة، ظفر بالنجاة.
لم تلِنْ عزيمته؛ انتفض بقوّة وواجه الصعاب، ورسم خطّةً للارتحال عن مدينته. حمل تبعاتها، واستدان من صديقٍ عزيز مبلغاً يعينه على السفر إلى إحدى الدول العظمى. هناك جدّ واجتهد، وأطال المكث حتى جمع مالاً صبّه في بناء غرفةٍ إضافيةٍ كانت حلماً يراوده، ثم عاد ليقتسم مع أسرته سعادةً أساسها المحبّة والدفء.
غير أنّ الدفء لم يطل؛ فقد رحل الأب مطمئنَّ القلب، وخلّف إرثاً لم يُروِ طموح أبنائه، فاندفعوا كلٌّ في دربه، يحاول تجميل واقعه. ولمّا اندلعت نيران الحرب، هُدِّمت البيوت، وقُتِل من قُتِل، وتشرد الأصدقاء والمعارف.
كثيرون من أبناء جلدتهم نال منهم العناء والفقر والإبعاد عن مواطنٍ عمّروها بحدقات الشباب!
أمّا أبناء ذلك الصديق الطيّب، فقادهم القدر إلى بلادٍ غريبة، فاختبروا قسوة الحياة وضنك الفاقة، ثم مضوا؛ بعضهم شقّ طريقه إلى أوروبا بعد جهدٍ مُضنٍ، وها هو اليوم يعيش هناك هرباً من واقعٍ مؤلم، ومن فقرٍ أرهق روحه وأدمى مسيرته.
في تلك البلاد انتظر طويلاً رخصة الإقامة أسوةً بغيره من المهاجرين الذين اختاروا ملاذاً يضمن لهم الأمان؛ أهلُها معروفون بالولاء والمحبّة، لم يصدّوا يوماً لاجئاً، بل مدّوا أيديهم بالعون، فذاق القادمون حياةً من رفاهٍ لم يتخيلوها، وحكومةٌ تُسدي الخدمات بالمجّان، وتدعم مادياً كلّما دعت الحاجة.
غير أنّ بعض هذه «النخبة» تعوّد التطفّل على الآخرين، فحاولوا مراراً خداع البسطاء للنيل منهم واستغلال طيبتهم. ولا ريب أنّ زمناً سيأتي يكشفهم، ويفضح ألاعيبهم، رغم الجهود التي بذلتها تلك الدول وأهلها لاحتضانهم والدفاع عنهم بكل ودّ.



