الأعمدة

الحركة الإسلامية السودانية حركة علمانية كاملة الدسم شعارات دينية وقوانين علمانية

—-
أسامة كنينة
شهد الفضاء السياسي السوداني على مدى عقود طويلة سجالاً صاخباً حول الهوية والتشريع، دأبت فيه “الحركة الإسلامية” وتنظيم الإخوان المسلمين على معايرة خصومهم السياسيين ودمغهم بـ “العلمانية” باعتبارها مرادفاً للمروق من الدين ومحاربة الهوية. بيد أن هذا السجال العاطفي السطحي يتلاشى تماماً عندما نُخضع الدولة ومؤسساتها لأدوات التفكيك البنيوي والمادي؛ حيث تكشف حتمية الممارسة العملية على الأرض عن حقيقة صارخة لا تحتاج إلى كثير عناء لإثباتها: إن الحركة الإسلامية السودانية هي حركة علمانية بامتياز، وهي أكبر من طبّق العلمانية ورسخ جذرها في تاريخ السودان المعاصر.
إن العبرة في فقه السياسة وإدارة المجتمعات تكمن دائماً في الممارسة الفعلية والبنية القانونية التحتية، وليس في بريق الشعارات ولا في لافتات الخطابات السياسية. فطالما أن القوانين التي تحكم حركة المال، والتجارة, والجريمة، والسلطة في الدولة هي قوانين علمانية وضعيّة، فإن هوية الدولة وطبيعة نظامها هما علمانيان بالضرورة، حتى وإن حكم هذه الدولة وأصبح واجهتها الخليفة عمر بن الخطاب، وليس سفاحا مثل عمر البشير او منظرا مثل حسن الترابي.
أولاً: إرث غوردون وكتشنر.. الجينات البريطانية الحاكمة للسودان
المدقق في تاريخ القوانين السودانية يكتشف حقيقة تاريخية غائبة عن وعي الجماهير المغيبة: السودان لم يطبق يوماً الشريعة الإسلامية كنظام حكم شامل عبر تاريخه الحديث، لا في عهد الطوائف، ولا الأحزاب التقليدية، ولا في عهد تنظيم الإخوان المسلمين.
إن كامل المنظومة القانونية والهيكل التشريعي الذي يُدير الدولة السودانية حتى يومنا هذا هو إرث وضعه الاستعمار البريطاني (الإنجليزي) عقب معركة أم درمان عام 1898. لقد صاغ المشرعون الإنجليز (مثل السير بونام كارتر) قوانين السودان الكبرى (القانون المدني، قانون العقوبات، قانون الإجراءات الجنائية، وقانون الشركات) بناءً على مستخرجات وتطور “القانون العام الإنجليزي” (Common Law) وقانون العقوبات الهندي الاستعماري.
هذه القوانين هي منظومة علمانية وضيعة صُممت لإخضاع المجتمعات وإدارة مواردها لصالح الإمبراطورية. وطوال تاريخ السودان ما بعد الاستقلال، لم تجرؤ أي نادٍ سياسي أو حركة أيديولوجية على إحداث تغيير جوهري في هذه البنية؛ فكل ما كان يحدث هو مجرد عمليات “حذف أو إضافة” طفيفة على الهوامش، مع الإبقاء على الجسد والجينات التشريعية البريطانية اللاتينية كمحرّك أساسي وعملي على الأرض.
ثانياً: عهد الترابي وعقيدة “جلد الظل” (قانون سكسونيا المحلي)
المنعطف التضليلي الأكبر حدث في عهد مفكر الحركة الإسلامية، حسن الترابي، إبان نظام “الإنقاذ”. في هذه المرحلة، بلغت السريالية والعلمانية النفعية ذروتها؛ حيث أراد النظام وضع “مخدر عاطفي سميك” يضمن له المشروعية والسيطرة السياسية، فأقحم العقوبات والحدود الجنائية المستمدة من الفقه الإسلامي في متن “القانون الجنائي لعام 1991”.
لكن حتمية الممارسة الفعلية على الأرض أفرغت هذا الإقحام من أي جوهر ديني أو أخلاقي، وتحول على الأرض إلى إعادة إنتاج فجة لـ “قانون سكسونيا” التاريخي:
تطبيق العقوبة على الضعفاء: جرى تفعيل النصوص القاسية والجلد والتشهير بصرامة ضد صغار السارقين والفقراء والنساء المستضعفات في الهوامش وأطراف المدن تحت مسمى “تطبيق شرع الله”.
تشريعات النظام العام (محاكم التفتيش المحلية): جرى اختزال الشريعة في ترسانة قوانين “النظام العام وأمن المجتمع” التي اشتغلت بآلية أيديولوجية قمعية تطابق “محاكم التفتيش” في العصور الوسطى؛ حيث صُممت لإذلال النساء ومطاردة الكادحين في أطراف المدن، وجعل أجساد المستضعفين مسرحاً لإثبات الطهرانية الزائفة للنظام وبث الرعب البصري، لتكون بمثابة قربان أخلاقي كرتوني يُغطي على علمانية المنظومة الهيكلية وفساد نخبته.
الحصانة وعلمنة الجريمة للأقوياء: في المقابل، حُصِّنت النخبة الحاكمة، وقادة الميليشيات الموازية، والمحاسيب، عبر ترسانة من “الحصانات الإجرائية والمدنية العلمانية” التي تحمي الفساد المنظم، واختلاس الأموال العامة، وتهريب مقدرات البلاد (كالذهب والنقد الأجنبي) إلى الملاذات الضريبية الخارجة. لقد عوقب الضعيف في جسده، بينما عوقب “ظل النبيل الإسلاموي” ببيانات فقهية هزلية تعفي القوي وتخرجه حراً طليقاً.
ثالثاً: الفصام المالي وعلمانية “السيستم” العابر للقارات
التجلي الأكبر لعلمانية الحركة الإسلامية يظهر في إدارتها للملف الاقتصادي والمالي. رُفع شعار “أسلمة البنوك” وإلغاء الفائدة والربا، ولكن على أرض الواقع، لا يمكن لأي سلطة أن تحكم دولة وتظل جزءاً من النظام العالمي (السيستم) إلا إذا خضعت لقوانينه وعولمته المالية والأنجلوسكسونية.
لذلك، مارست الحركة الإسلامية علمانية مالية ميكيافيلية كاملة خلف الستار؛ فاستمرت المصارف السودانية في الدوران في فلك النظام الرأسمالي العالمي والالتزام بشروطه، واكتفت النخبة الحاكمة بتغيير المساحيق اللغوية للمُعاملات البنكية؛ فتغير اسم “الفائدة الربوية المحرمة” إلى أسماء دينية براقة مثل (المرابحة، والمشاركة، والمقاولة)، لتخدير وعي الشعب، في حين أن الممارسة المادية الفعلية كانت نظاماً رأسمالياً ريعياً متوحشاً طحن الفئات المنتجة وأفقر الشعب لصالح شركات النخبة الأمنية والسياسية العابرة للقارات.
رابعاً: النتيجة الحتمية.. سقوط المخدر وانفجار الكارثة
إن رفع شعار “الله أكبر” واستدعاء اسم الدين وعاطفته، مع الإبقاء على ممارسة علمانية نفعية وفاسدة على الأرض، هو ذروة “تضليل الشعوب”. هذا الفصام التشريعي قاد السودان حتماً نحو الهاوية؛ لأن الشعارات العاطفية لا تحمي اقتصاداً، ولا تدير دولة مؤسسات، ولا تصنع عدالة حقيقية.
وعندما أدارت النخبة الإسلاموية صراعها على كراسي الحكم ببراغماتية علمانية شديدة القسوة، فرّطت في احتكار الدولة للقوة، وأنشأت الميليشيات الموازية القائمة على العصبية القبلية والجهوية لحماية امتيازاتها الشيطانية، متجاوزة كل قيم الدين والأعراف. وعندما انتهى مفعول “المخدر الديني” وصُدم الشعب بحتمية الممارسة الفعلية الفاسدة، انهارت الهياكل الكرتونية للدولة السودانية، وانفجرت الفوضى الشاملة والحرب الراهنة التي تدفع ثمنها الأجيال الحالية من دمائها ووجودها.
ختاماً
يُثبت التفكيك التاريخي والبنيوي أن الحركة الإسلامية في السودان لم تكن سوى واجهة علمانية ارتدت مساحيق الدين؛ لقد حافظت على القوانين الإنجليزية والاستعمارية لأنها تحمي “السلطة والسيستم”، ووظفت الشعار الديني لتخدير الجماهير وتمرير أبشع أنواع الممارسات الوضعية.
إن الدرس السوداني القاسي يؤكد أن هوية الدول تُكتب بمداد الممارسة الفعلية والعدالة المطبقة على الأرض، وأن الشعارات الجوفاء -مهما كانت مقدسة- لا تقود إلا إلى التضليل، وصدمة الشعوب، والهاوية الحتمية.
———

زر الذهاب إلى الأعلى