الأعمدة

لماذا يظلّ السودان يدور في ذات الحلقة الجهنمية نفسها منذ الإستقلال ؟!!

✍️ محمد الفاتح حضرة
كلما حدث إنقلاب عسكري في السودان عقب ثورة شعبية ، ينشغل الشعب السوداني بالبحث عن سبب الإنتكاسة؛ هل هم العسكر الإنقلابيين ، أم الساسة الإنتهازبين
مرةً يقال إن العسكر هم سبب البلاء كله
ومرةً يقال إن الأحزاب هي أصل الأزمة
ومرةً يُتهم الإسلاميون
ومرةً يُتهم اليساريون
ومرةً تُلقى التهمة على التدخلات الأجنبية
لكن بعد سبعين عاماً من الفشل المتكرر، يبدو أن السؤال الحقيقي ليس:
من الذي أخطأ؟!!
بل:
لماذا ظل السودان عاجزاً عن بناء دولة قانون ومؤسسات ودستور رغم كل هذه التضحيات والثورات والانقلابات؟!!
🧐 تأملوا تاريخنا الحديث
استقلال عام 1956م
ثم انقلاب 1958م
ثم ثورة أكتوبر 1964م
ثم انقلاب 1969م
ثم انتفاضة أبريل 1985م
ثم انقلاب 1989م
ثم ثورة ديسمبر 2018م
ثم انقلاب أكتوبر 2021م
ثم حرب أبريل 2023م
وجوه تتغير
وشعارات تتغير
وأسماء تتغير
لكن النتيجة النهائية لا تكاد تتغير:
دولة أضعف
واقتصاد منهك
ومجتمع أكثر انقساماً
وحروب أكثر اتساعاً
🛑 هنا يجب أن نتوقف قليلاً
لقد اعتدنا أن نحمّل النخب السياسية والعسكرية المسؤولية كلها
ولا شك أن عليها نصيباً عظيماً من المسؤولية
لكن السؤال الذي يهرب منه الجميع هو:
أين دور الشعب نفسه في هذه المأساة؟!!
لماذا ظل الشعب السوداني، جيلاً بعد جيل، ينقاد وراء النخب نفسها والأساليب نفسها والخدع نفسها؟!!
🤨 منذ الاستقلال ظهرت نخب كثيرة
نخب حزبية
ونخب عسكرية
ونخب دينية
ونخب طائفية
ونخب أيديولوجية
كلها رفعت شعارات براقة
كلها وعدت بالخلاص
كلها زعمت أنها تملك الحل
وكلها تقريباً انتهت إلى النتيجة نفسها.
مرةً باسم الوطنية
ومرةً باسم الديمقراطية
ومرةً باسم الاشتراكية
ومرةً باسم الثورة
ومرةً باسم الشريعة
ومرةً باسم الكرامة
ومرةً باسم تأسيس الدولة الجديدة
لكن المواطن السوداني ظل يسمع الوعود نفسها منذ أكثر من سبعة عقود بينما تتراجع الدولة عاماً بعد عام.
🧐 المشكلة ليست في الشعار
المشكلة أن الشعب كثيراً ما انشغل بالشعار أكثر من انشغاله بالنتائج.
انشغل بالأشخاص أكثر من انشغاله بالمؤسسات.
وانشغل بالزعيم أكثر من انشغاله بالقانون.
ففي كل مرحلة يظهر “المنقذ” الجديد:
مرةً في صورة قائد عسكري
ومرةً في صورة زعيم سياسي
ومرةً في صورة شيخ طائفة
ومرةً في صورة داعية
ومرةً في صورة قائد حركة مسلحة
ثم يكتشف الناس بعد سنوات أنهم عادوا إلى النقطة نفسها.
⚖️ ولو تأملنا التجربة السودانية بإنصاف لوجدنا أن العسكر ليسوا وحدهم المسؤولين عن هذه الدائرة المغلقة
صحيح أن الانقلابات العسكرية ظلت أحد أكبر معوقات بناء الدولة الديمقراطية
وصحيح أن المؤسسة العسكرية تدخلت مراراً في السياسة
لكن السؤال هو:
كيف استطاعت هذه الانقلابات أن تجد من يصفق لها في كل مرة؟!!
وكيف استطاعت الأحزاب أن تعود بالأخطاء نفسها في كل مرة؟!!
وكيف استطاعت الجماعات الدينية والطائفية أن تحافظ على نفوذها جيلاً بعد جيل؟!!
الإجابة المؤلمة هي أن المجتمع نفسه لم ينجح بعد في بناء ثقافة المحاسبة.
🛑 فالعسكر يعدون الناس بالأمن والاستقرار
ثم لا يأتي الاستقرار
والسياسيون يعدون بالديمقراطية والرفاه
ثم لا يأتي الرفاه
والحركات المسلحة تعد بالعدالة
ثم تتكاثر البنادق
والجماعات الدينية تعد بالإصلاح والنهضة
ثم تتسع دائرة الفساد والصراع على السلطة.
ومع ذلك تستمر الدائرة نفسها!!
🤔 بل إن أخطر ما أصاب السودان ربما لم يكن الانقلابات ولا الحروب وحدها
وإنما تحوّل الكذب السياسي إلى ثقافة عامة.
فكل طرف يحاول أن يلبس مصالحه الخاصة ثوب المبادئ الكبرى.
فإذا كانت الحرب من أجل السلطة سُميت معركة كرامة.
وإذا كانت من أجل النفوذ سُميت مشروعاً وطنياً.
وإذا كانت من أجل المصالح الحزبية سُميت دفاعاً عن الديمقراطية.
وإذا كانت من أجل التمكين سُميت نصرةً للدين.
حتى اختلطت الشعارات بالحقائق واختلطت الأوهام بالوقائع.
🧭 والمفارقة المؤلمة أن الشعب السوداني من أكثر شعوب المنطقة تضحيةً وصبراً وشجاعةً
لكنه في الوقت نفسه من أكثر الشعوب التي منحت الثقة للنخب دون أن تملك أدوات فعالة لمحاسبتها.
فالثورات نجحت مراراً في إسقاط الحكومات
لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في بناء مؤسسات تمنع تكرار الأخطاء.
ولهذا كنا نهدم البيت كل مرة
لكننا لا نضع أساساً جديداً يمنع انهياره مرة أخرى.
📚 إن مأساة السودان ليست مأساة حزب بعينه
وليست مأساة جنرال بعينه
وليست مأساة جماعة بعينها
إنها مأساة ثقافة سياسية كاملة ظلت تبحث عن البطل والمنقذ والزعيم الملهم أكثر مما بحثت عن القانون والمؤسسة والمحاسبة.
ولهذا ظلت الحلقة تتكرر:
ثورة ثم خلاف
خلاف ثم انقلاب
انقلاب ثم حرب
حرب ثم ثورة جديدة
ثم نعود إلى البداية مرة أخرى!!
🧭 متى يتخلص السودان من هذه الكارثة؟!!
عندما يتوقف الناس عن تقديس الأشخاص
وعندما تصبح الأسئلة أهم من الشعارات
وعندما يُحاسَب السياسي قبل أن يُصفَّق له
ويُحاسَب العسكري قبل أن يُمجَّد
ويُحاسَب الشيخ قبل أن يُتَّبع
ويُحاسَب كل صاحب سلطة مهما كان موقعه أو شعاره أو لباسه.
عندما يدرك السودانيون أن الأوطان لا تبنيها الخطب الحماسية
ولا الشعارات الرنانة
ولا البنادق
ولا الكاريزما الشخصية
بل تبنيها المؤسسات القوية والقوانين العادلة والرقابة الشعبية المستمرة.
🛑 وحتى يحدث ذلك سيظل السودان يدور في الحلقة نفسها
وسنظل نبدّل الأسماء
ونرفع الرايات الجديدة
ونردد الشعارات الجديدة
بينما تبقى المأساة القديمة كما هي.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل سوداني على نفسه اليوم ليس:
من الذي أضاع السودان؟!!
🧐🫵بل:
لماذا ما زلنا، بعد سبعين عاماً من التجارب الفاشلة، نصدق الوعد نفسه كل مرة بوجه جديد؟!!
📜🧭 خاتمة
فيما يبدو، وفي ظل المستوى الذي وصل إليه الوعي السياسي عند قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، فإن هذه الدائرة الجهنمية الخبيثة قد لا تكون قد استنفدت فصولها بعد!!
انقلابات عسكرية تتبعها ثورات شعبية
وثورات تعقبها صراعات وانقسامات
ثم حروب ودمار
ثم وعود جديدة وشعارات جديدة
ثم نعود إلى النقطة نفسها مرة أخرى!!
وكأن السودان محكوم بإعادة التجربة نفسها جيلاً بعد جيل، مع تغيير الأسماء والوجوه فقط.
🛑 والمؤلم أن كثيراً من النخب السياسية والعسكرية التي تعاقبت على قيادة البلاد لم تتعلم من دروس الماضي، كما أن كثيراً من عامة الناس ما زالوا يقعون في المصيدة نفسها:
تصديق الشعارات قبل الوقائع
والانحياز للأشخاص قبل المبادئ
والثقة في الوعود قبل مطالبة أصحابها بالضمانات والمحاسبة.
ولهذا فإن فشل الدولة وخراب الاقتصاد وتمزق المجتمع قد لا يتوقف قريباً إذا استمرت الثقافة السياسية نفسها التي أنتجت كل هذه الكوارث.
🤔 ولكن رغم كل هذا السواد، فإن هناك بارقة أمل لا ينبغي تجاهلها.
فلعل الفرق الأكبر بين هذا الجيل والأجيال التي سبقته هو أن كثيراً من أبناء وبنات السودان اليوم يمتلكون قدراً من الوعي والنقد والجرأة على مساءلة النخب لم يكن متاحاً بالدرجة نفسها في الماضي.
لقد نشأ جيل رأى بعينيه فشل العسكريين وفشل الأحزاب وفشل الأيديولوجيات وفشل الشعارات الكبيرة.
جيل لم يعد يمنح ثقته بسهولة.
وجيل صار أكثر استعداداً لطرح الأسئلة الصعبة على الجميع دون استثناء..
🧭 وربما يكون هذا الجيل من الشباب السوداني هو الأمل الحقيقي للسودان..
🫵الحلّ:
ليس في جنرال جديد.
ولا في حزب جديد.
ولا في طائفة جديدة.
ولا في أيديولوجيا جديدة.
🫵وإنما في نشوء مواطن جديد، حرّ العقل، مستقل الإرادة، لا يقدّس الأشخاص، ولا يخضع للخداع السياسي أو الديني أو الإعلامي، ويُخضع الجميع للمساءلة والمحاسبة.
فإذا نجح هذا الوعي في أن يتحول إلى ثقافة لدي عامة الشعب السوداني ، فقد يكون الجيل القادم إن شاء الله هو أول جيل سوداني يكسر هذه الحلقة اللعينة التي دارت بالبلاد منذ الاستقلال..
أما إذا استمرت العقول أسيرة للشعارات نفسها، وللخداع نفسه، وللنفاق نفسه، فإن السودان قد يبقى يدور في هذه الدائرة المؤلمة سنوات طويلة أخرى..
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
#السودان #الدولة_السودانية #الحرب_والسلام #الوعي_السياسي

زر الذهاب إلى الأعلى