


محمد عبد الله برقاوي
تذكرته والسيارة تعبر بنا مسرعة، تلتهم الطريق الطويلة بين المطار ومقر إقامتنا بمنطقة الهرم، تلك البقعة القاهرية العتيقة.
تذكرت حديثاً سمعته منه ذات مرة، حين قال إنه قطع هذه المسافة سيراً على قدميه، بعدما بدأت قصيدة تتشكل في مخيلته وهو عائد من مطار القاهرة عقب توديعه صديقاً مسافراً. مضى مع الفكرة واللحن الذي أخذ يختمر في حنجرته الجهورة، حتى لم يشعر بطول الطريق ولا بساعات الليل المنصرمة. وحين وصل إلى داره عند الصباح، سألته شريكة حياته: أين كنت يا رجل منذ البارحة؟ فأجابها بظرفه المعهود: «كنت ماشي وبغني ونسيت نفسي في المسافة».
ونحن نعبر ذات الطريق، كأنني أصغي من جديد إلى ذلك السرد المشوق، فأشعر وكأنني أسحب مجلداً ضخماً من مكتبة تاريخ الفن والمسرح والأدب السوداني، تأخذني صفحاته على عجلات الزمن عبر محطات مختلفة من المراحل والعصور، وعلى لسان شاهد لم يكن راوياً للتاريخ فحسب، بل شريكاً في صناعته بمختلف أنماطه وتقاطعاته.
كل ذلك يجعل الدهشة سيدة الموقف أمام تلك الذاكرة الخصبة التي لم تنل منها السنون، وهي تحتشد بكل هذه الصور والتفاصيل.
فالسر أحمد قدور، الذي تدفق من أفياء الخلاوي متضمخاً بعبق التلاوة، لم تتشكل عبقريته عبر الدراسة الأكاديمية أو الشهادات العلمية، وإنما عبر عصامية نادرة أسست لمدرسته الخاصة. مدرسة تسلسلت فصولها في نمو متماسك، تنافست روافدها المختلفة في تشكيل شخصية ذلك الفتى الذي بدأ ينهل من الصحف والكتب بنهم تجاوز دوره كبائع لها أو مجالسٍ لقرائها.
لم يكن يهاب الاقتراب من كبار المبدعين الذين كانوا يتحلقون في مقاهي ومنتديات أم درمان القديمة، حتى وجد نفسه يطرق باب الإذاعة بجسده النحيل وصوته المجلجل. شد الأسماع وأطلق الخيال ليرسم صورة عمدة مهاب أو شيخ نافذ، بينما لم يكن المستمع يتصور أن صاحب ذلك الصوت الآسر شاب ضئيل البنية. وهكذا خط لنفسه مكانة مرموقة في خارطة الدراما والمسرح كتابةً وإخراجاً وتمثيلاً.
كما رسم صور الشعر البليغة، وتولدت من كلماته إشراقات منغمة صدح بها كبار الفنانين من مواقعهم السامية، فاصطحبوه معهم إلى علياء كتاب الأغنية الوطنية والعاطفية. وعلى امتداد أكثر من ستة عقود، لم تضعف قدرته على مجاراة تقلبات الأزمنة وتجاوز الحواجز السميكة بين الأجيال، ولم ينكسر أمام موجات الإسفاف الجارفة، بل جعل من نفسه سداً منيعاً يحفظ للمفردة قيمتها وكرامتها، فلا تنحرف استسلاماً لواقع أو انكساراً لحاجة.
وحين اتسعت دائرة معارفه وأحكم قبضته على أدوات الصحافة، خاض غمارها في قاهرة الاستنارة بثقة العارف بقدراته، واثقاً من أنه سيجد مكانه بين أعلامها. وأضاف بذلك رباطاً جديداً إلى عرى إبداعه، عبر إذاعتي ركن السودان ووادي النيل، مرفداً مكتبتيهما بروائع الغناء السوداني بمختلف ألوانه، ومحدثاً اختراقاً في آذان اعتادت رنين السلم السباعي وحده زمناً طويلاً.
أصبح سفير جنوب الوادي المقيم في سويداء قلب أم الدنيا، دون أن يتخلى عن سودانيته أو يلوي لسانه بطول الإقامة شمالاً ولو بعبارة واحدة. ظل سودانياً محباً لمصر، متفاعلاً مع وجدانها، وسعيداً بمصاهرته لأهلها.
وحين كان يعود إلى السودان ـ ذلك الوطن الذي يكاد المرء يجزم أنه لم يغادره يوماً ـ لتسجيل حلقات برنامجه الأشهر «أغاني وأغاني»، كان يرسم طرقاً مختلفة للوصول إلى المشاهد، بأسلوبه الجذاب وسرده البليغ والطريف. منح كل صاحب حق حقه، دون أن يستأثر بزمن التذكر أو يجعل من عصاميته مادة للاستعراض.
ومن هنا تشكل ذلك النموذج العجيب لشخصية «عم السر». فعلى الرغم من فوارق الأعمار وتباين الأمزجة الفنية، ظل أخاً قريباً من شباب البرنامج من المطربين والمغنيات وأعضاء الفرق الموسيقية الذين تعاقبوا خلال خمسة عشر عاماً من الألفة والتجانس والصبر. كما لم يكن بعيداً عن كوادر العمل التقنية التي شاركت في صناعة ذلك الجهد الكبير والمضني.
رحم الله أستاذنا السر قدور، وألهم أسرته في الدامر ومصر، ومحبيه وأصدقاءه وتلامذته وزملاءه في كل مكان، جميل الصبر وحسن العزاء.
وقبل ذلك كله، نعزي الوطن، ونعزي قبيلة الفنون والإبداع التي انتمى إلى مختلف فروعها، وأسهم بجهد فكره الثاقب وعرق قلمه المبدع في تزيين صفحاتها بأزهى الألوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
القاهرة ..الخميس 18/6/2026



