الأعمدة

غياب التراكمية النقدية في الفكر السوداني وأزمة التطور

وجدي كامل
يمثل غياب النقد الرأسي، أو ما يمكن تسميته بالتراكمية النقدية والمعرفية، مأزقاً نوعياً يجد الفكر السوداني السياسي والاجتماعي والثقافي نفسه عالقاً في شراكه، ومعتصراً بين أنيابه.
فالطبيعة الأفقية للنقد الفكري وبناء الأفكار في جانب كبير من إنتاجنا الثقافي والفكري والفلسفي تعود إلى جملة من العلل التي تكتنف الخطاب النظري العام. فقد ظللنا، عبر عقود طويلة، ننقل الأفكار ونناقشها ونطرحها، ونمارس قدراتنا النقدية والفلسفية في قراءة الواقع السوداني، من دون إنصاف حقيقي لمن سبقونا، أو اعتماد منهج بنائي يقوم على التشييد فوق ما أُنجز من قبل، والاستفادة من الجهود المتخصصة والأفكار النوعية التي قدمها أبناء وبنات السودان في خدمة مجتمعهم.
فالمجتمعات لا تتطور بمجرد استيراد أفكار الآخرين، وإنما تتقدم أيضاً عبر التفاعل الخلاق مع إنتاج مفكريها ومبدعيها، والبناء على منجزاتهم وتطويرها. وحين تُهمل تلك المنجزات أو تُتجاهل، يصبح الفكر أشبه بمن يبدأ رحلته في كل مرة من نقطة الصفر.
ومن منظور مناهج البحث العلمي، فإن تكرار هذه الظاهرة قد يدل على أحد أمرين: إما ضعف الاطلاع على التراث الفكري الوطني، وإما تجاهله عمداً لإضفاء مسحة من الجدة والأصالة على أفكار ليست جديدة بالضرورة. وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: انقطاع السلسلة المعرفية وتعثر التطور الفكري.
ومن أبجديات الأمانة الفكرية أن يبدأ الباحث أو الكاتب بالإشارة إلى من سبقوه في تناول القضية التي يكتب عنها، وأن يوضح إسهاماتهم، ثم يناقشها بالنقد أو التطوير أو الإضافة. فالإبداع الحقيقي لا ينشأ من القطيعة مع الماضي، بل من الحوار معه.
ومع ذلك، فإن تياراً عريضاً من المنتجين الفكريين، من الشباب والطاعنين في السن على السواء، لا يألو جهداً في تقديم نفسه بوصفه فاتحاً أو مكتشفاً أو مقتحماً أول للأفكار، وكأن التاريخ الفكري السوداني قد بدأ معه. وهنا تكمن إحدى العادات المدمرة التي لا تعيق نمو الأفكار فحسب، بل تتحول إلى عقبة كؤود في طريق تطور الفكر السوداني في مختلف المجالات.
فالبداية الدائمة من الصفر، والتعامل مع التاريخ الفكري الوطني كما لو كان خالياً من المساهمات الجليلة، أصبحا سلوكاً متكرراً. أما عدم الإحالة إلى المصادر الأصلية، أو تجاهل من سبقوا في معالجة القضايا نفسها، أو عدم الانخراط في حوار نقدي جاد مع أعمالهم، فتمثل جميعها مظاهر واضحة لأزمة البناء المعرفي.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تعكس فقط ضعفاً في المنهج أو قصوراً في الاطلاع، بل قد تحمل أحياناً أبعاداً من الغش العلمي أو الاحتيال الفكري، حين يُعاد تقديم أفكار الآخرين في ثوب جديد دون إشارة إلى أصحابها. وهي، فوق ذلك، تؤشر إلى خلل أعمق في وعينا الجمعي تجاه المعرفة وحقوق منتجيها.
فالأفكار، بقدر ما يمكن أن تكون صانعة للخراب، يمكن أن تكون أيضاً صانعة للتغيير ورافعة للتقدم. غير أن أفكار التغيير لا تنشأ في الفراغ، بل تُبنى على ما سبقها من أفكار وتجارب ومراجعات. وهي عملية تراكمية بطبيعتها، تشبه البناء الذي تتعاقب طبقاته جيلاً بعد جيل، لا عملية الهدم المستمر وإعادة التأسيس.
ومن هنا، فإن التعرف على إسهامات المبدعين والمفكرين السودانيين، الأحياء منهم والراحلين، لا يتعارض بأي حال مع الانفتاح على الفكر الإنساني المعاصر والتفاعل معه. فالتقدم لا يتحقق بالانغلاق على الذات، كما لا يتحقق بالذوبان في الآخر، وإنما بالمزاوجة الخلاقة بين الجذور المحلية والآفاق الكونية.
لقد شهد التاريخ الثقافي والفكري للسودان نماذج عديدة لعقول قدمت إسهامات معتبرة في قضايا النهضة والتطور الوطني، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع مواقفها السياسية والفكرية. ومن هؤلاء، على سبيل المثال لا الحصر: عرفات محمد عبد الله، وأولاد عشري، والتيجاني يوسف بشير، ومعاوية محمد نور، ومحمد أحمد محجوب، وعبد الخالق محجوب، ومحمود محمد طه، والصادق المهدي، وحسن الترابي، ومنصور خالد، وجون قرنق، وغيرهم كثيرون.
كما شهدت العقود الأخيرة ظهور أطروحات فكرية ونقدية مهمة كان يمكن أن تشكل منطلقاً لحوارات وطنية واسعة. ومن الأمثلة على ذلك أطروحة الدكتور النور حمد حول العقل الرعوي. غير أن ما حدث في كثير من الأحيان لم يكن نقاشاً معرفياً عميقاً، بل ردود فعل متعجلة، أو تجاهلاً يكاد يرقى إلى الإلغاء، وكأن الفكرة لم تُطرح أصلاً.
وينطبق الأمر نفسه على أعمال أحمد الطيب زين العابدين، وعبد الله بولا، وحيدر إبراهيم، وعبد الله علي إبراهيم، وكمال الجزولي، ومحمد محمود، والخاتم عدلان، والحاج وراق، ومحمد جلال هاشم، وأبكر ادم اسماعيل، والباقر العفيف، وغيرهم من أصحاب المشاريع الفكرية الجادة. فهذه الأعمال لم تحظَ، في كثير من الأحيان، بما تستحقه من حوار نقدي متصل يختبرها، ويطورها، أو يفندها على أسس معرفية.
إن الفكر الإنساني بطبيعته فكر تراكمي. فكل مدرسة فكرية كبرى، وكل نهضة ثقافية، وكل تقدم علمي، قام على البناء فوق ما أنجزه السابقون. ولذلك فإننا بحاجة إلى التصالح مع منجزات الآخرين من بني جلدتنا، وإنصافهم بالاعتراف بإسهاماتهم، بدلاً من تجاهلها أو القفز فوقها.
ولعل من أخطر تجليات الأزمة ما يمكن تسميته بـ”لطش الأفكار”، أي الاستيلاء على مساهمات الآخرين وإعادة تدويرها أو تقديمها بصورة توحي بأنها إنتاج جديد. وهي ممارسة لا تضر بأصحاب الأفكار فحسب، بل تضر أيضاً بالثقافة العامة، لأنها تقطع الصلة بين المعرفة ومصادرها الحقيقية.
وفي محاولة لفهم أسباب هذه الظاهرة، يمكن الإشارة إلى أثر نموذج “الأفندي” المتعلم في الثقافة السودانية الحديثة، وإلى هيمنة ثقافة التلقين والحفظ على حساب ثقافة البحث والنقد والإبداع. ففي بيئة تُكافأ فيها النتائج أكثر مما تُكافأ فيها العمليات المعرفية المنتجة لها، يصبح السعي إلى الامتياز الشخصي أكثر أهمية من الاعتراف بجهود الآخرين والبناء عليها.
كما تلعب المحاكاة والتقليد دوراً بارزاً في إعادة إنتاج هذه الأزمة. فبدلاً من تطوير الأفكار القائمة أو تقديم إضافات جديدة إليها، يجري نسخها وإعادة تسويقها بأشكال مختلفة. وكما يفتح صاحب بقالة متأخر متجراً يبيع البضاعة نفسها التي يبيعها جاره دون أي إضافة نوعية، فإن كثيراً من النشاط الفكري يعيد إنتاج المنتجات ذاتها دون تطوير أو إثراء.
والنتيجة هي إعادة إنتاج ما أُنتج من قبل، وتكريس حالة من الجمود المعرفي. فلا يتحقق الحوار الحقيقي مع الأفكار، ولا تنشأ عمليات نقد وتطوير تسمح لها بالنمو والتجدد.
إن هذه الظاهرة تسهم بصورة مباشرة في توسيع رقعة الفوضى الثقافية والفكرية، لأنها تعكس في المجال النظري ما نعيشه عملياً من ضعف في التحديث والتطوير. فنحن كثيراً ما ننتظر لحظات التحول الكبرى والثورات والتغيرات التاريخية، ثم نكتشف أننا نفتقر إلى المخزون الفكري المتراكم القادر على إرشادنا في تلك اللحظات الحاسمة.
والحال أن الأمم التي تتقدم لا تعيد اختراع العجلة في كل جيل، بل تورث خبراتها وتجاربها وأفكارها للأجيال اللاحقة، التي تنطلق منها نحو آفاق جديدة.
أما السودان اليوم، وفي ظل التشظيات السياسية والاجتماعية والثقافية التي يعيشها، وفي ظل صعود أجيال جديدة يعبّر بعضها عن غضب مشروع تجاه الماضي، فإنه يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة اكتشاف تاريخه الفكري والنقدي. لا من باب التقديس أو التبجيل، وإنما من باب الفهم والنقد والتطوير.
فالمطلوب ليس تكرار ما قاله السابقون، وإنما تنظيم ذلك التراث الفكري، وتصنيفه، وتحويله إلى مادة حية للحوار والمراجعة والإضافة. فالتطور لا يقوم على القطيعة الكاملة مع الماضي، كما لا يقوم على الاستسلام له، بل على تحويله إلى نقطة انطلاق نحو المستقبل.
وما لم يحدث ذلك، فسنظل ندور في الحلقة نفسها، نعيد اختراع المخترع، ونهدر الطاقات في إعادة إنتاج ما سبق إنتاجه، ونفرط في فرصة ثمينة لبناء تقليد فكري سوداني متراكم وقادر على الإسهام في مشروع النهضة الوطنية.
إن أزمة الفكر السوداني ليست أزمة نقص في الأفكار بقدر ما هي أزمة ضعف في التراكم. وما لم ننتقل من ثقافة البدايات المتكررة إلى ثقافة البناء المتصل، فسيظل التطور الوطني، فكراً وممارسةً، أقل كثيراً من الإمكانات الهائلة التي يمتلكها هذا البلد وشعب

زر الذهاب إلى الأعلى