الأعمدة

أيُّ معجزةٍ ينتظرها السودانيون من قادة الانقلاب والحرب؟!!

✍️ محمد الفاتح حضرة
🧭 20 يونيو 2026م
من أكثر الأسئلة التي تستوقفني وأنا أتأمل حال السودان اليوم سؤالٌ بسيط في ظاهره، لكنه عظيم في دلالاته:
أيُّ معجزةٍ ينتظرها الشعب السوداني من أطراف الحرب من قادة الجيش وقادة الدعم السريع الذين كانوا هم من بدأوا سلسلة انهيار الدولة وذلك بإنقلابهم على النظام الدستوري في 25 أكتوبر 2021؟!!
وأيُّ معجزةٍ ينتظرها السودانيون من القوى السياسية والقوي المدنية التي كانت قد ساندت ذلك الانقلاب أو بررته أو شاركت في نتائجه، قبل ان ينتهى الأمر بالبلاد إلى هذه الحرب المدمرة التي ما زالت تحصد الأرواح وتلتهم ما تبقى من الوطن؟!!
طرفي الحرب نفذوا إنقلاب 25 أكتوبر 2021
و قيل يومها للشعب السوداني إن هذا الانقلاب قد جاء لتصحيح مسار الثورة ومنع نشوب حرب أهلية في السودان !!
وقيل إن ذلك الإنقلاب قد جاء لإنقاذ البلاد من الإنهيار !!
وقيل كذلك إن الإنقلاب قد جاء لتحقيق الاستقرار للشعب السوداني !!
🧐🫵
ولكن بعد سنوات من ذلك الانقلاب، ماذا كانت النتيجة؟!!
هل رأى السودانيون برنامجاً سياسياً وطنياً متكاملاً لحكم البلاد؟!!
هل شاهدوا مشروعاً اقتصادياً حقيقياً لمعالجة الانهيار المعيشي؟!!
هل رأوا إصلاحاً مؤسسياً للدولة؟!!
هل قامت نهضة زراعية أو صناعية أو استثمارية؟!!
هل وُضعت رؤية واضحة لإدارة التنوع والأزمات الوطنية؟!!
الحقيقة المؤلمة أن شيئاً من ذلك لم يحدث!!
كل ما حدث هو إستبداد قادة الجيش وقادة الدعم السريع بالحكم، وإقصاء كل القوي المدنية المرتبطة بثورة ديسمبر ، مع إعادة تمكين جماعة ما يسمى بالحركة الإسلامية وشركائها في التيار الإسلامي العريض داخل مفاصل الدولة، بينما ظلت أزمات السودان تتفاقم يوماً بعد يوم!!
إنشغل قادة الجيش وقادة الدعم السريع بالصراع فيما بينهم علي السلطة والثروة والحكم..
حتي جاءت الكارثة الأكبر في 15 أبريل 2023 عندما انفجر الصراع بين الشريكين اللذين نفذا انقلاب 25 أكتوبر 2021 معاً!!
فإذا بالبلاد تدخل واحدة من أسوأ الحروب في التأريخ الحديث !!
وهنا يبرز السؤال الكبير:
كيف يمكن لمن عجزوا عن إدارة الدولة في السِّلم أن يقودوا نهضتها في زمن الحرب؟!!
وكيف يمكن لمن لم يقدموا مشروعاً وطنياً قبل الحرب أن يقدموا مشروعاً وطنياً بعدها؟!!
🕋 خذوا الحكمة والعبرة من القرآن الكريم.
إن القرآن الكريم يعلمنا أن العبرة ليست بالشعارات، وإنما بالنتائج والمآلات:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ۝ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (البقرة: 204-205)
فلننظر إلى النتائج على أرض الواقع!!
قبل الحرب كانت هناك دولة تعاني من أزمات كبيرة بلا شك، لكنها كانت تعمل
كانت المدارس مفتوحة
والجامعات قائمة
والأسواق تتحرك
والزراعة مستمرة
والتجارة قائمة
والاستثمار ممكناً
وكان الناس يتجادلون سياسياً دون أن تتحول معظم مدن السودان إلى ساحات قتال مفتوحة!!
أما اليوم فماذا نرى؟!!
🛑 ملايين النازحين واللاجئين
🛑 مدناً مدمرة وأحياءً كاملة تحولت إلى أطلال
🛑 انهيار العملية التعليمية
🛑 تراجع الخدمات الصحية
🛑 انهيار قطاعات واسعة من الزراعة
🛑 شلل أجزاء كبيرة من الصناعة
🛑 هروب المستثمرين ورؤوس الأموال
🛑 انهيار النشاط التجاري في مناطق واسعة
🛑 اتساع دائرة الفقر والجوع
🛑 تفكك النسيج الاجتماعي
🛑 ضياع مستقبل أجيال كاملة من الأطفال والشباب
فأيُّ صورة أوضح من هذه لمعنى قوله تعالى:
﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾؟!!
🧐🤔ثم دعونا نسأل سؤالاً آخر:
لماذا لا يزال بعض قادة الحرب وأنصارهم يصرون على مواصلة هذا الطريق رغم كل هذه النتائج الكارثية؟!!
ولماذا يلبسون هذه الحرب لباس الشرع والدين والوطنية والكرامة ؟!!
هل هذا هو منهج الإسلام حقاً؟!!
أليس الفقه الإسلامي مليئاً بالنصوص والأمثلة التي تقدم حقن الدماء على المكاسب السياسية والعسكرية؟!!
ألم يقبل النبي ﷺ صلح الحديبية حفاظاً على السلم وحقناً للدماء؟!!
ألم يتنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما عن الخلافة حقناً لدماء المسلمين؟!!
ألم يعتزل كبار الصحابة الفتن عندما رأوا أن دماء المسلمين أعظم حرمة من الدخول في صراعات السلطة؟!!
ألم يجعل الفقهاء حفظ النفس أحد أعظم مقاصد الشريعة؟!!
فإذا كانت النتيجة بعد سنوات من القتال هي المزيد من القتل والتشريد والانهيار والخراب، فأين تتحقق مقاصد الشريعة في ذلك؟!!
وأين يتحقق حفظ النفس والمال والعمران؟!!
🧐🫵ثم تأملوا أمراً آخر لا يقل خطورة !!
ستلاحظون كيف أن أبواب المصالحات كثيراً ما تُفتح ولكن فقط داخل معسكر الحرب وبين من حملوا البندقية !!
فكل من حمل السلاح بالأمس، ومن قاتل، ثم انشق، أو بدّل موقعه، فإنه يجد طريق العودة الي الطرف الاخر متى ما إقتضت المصلحة الخاصة ذلك!!
أما القوى السياسية والمدنية السودانية التي أُطيح بها في انقلاب 25 أكتوبر 2021، فإن أبواب الشراكة الوطنية معها كل يوم تصبح أكثر انسداداً !!
🧐🫵وهنا يحق للمواطن السوداني أن يتساءل:
إذا كانت القضية قضية مبادئ، فلماذا تتغير التحالفات بتغير المصالح؟!!
وإذا كانت القضية قضية عدالة، فلماذا تُؤجل العدالة كلما تعارضت مع الحسابات السياسية؟!!
وإذا كانت القضية قضية وطن، فلماذا يستمر الشعب في دفع الثمن وحده؟!!
إن ما نشاهده يثبت لكل ذي قلب بأن سبب الحرب في السودان ليس إقامة العدل ولا بناء الدولة ولا إنقاذ الشعب، وإنما هو 🫵:
الصراع على السلطة والثروة والنفوذ ‼️
ولهذا فإن بعض المصالحات والتحالفات والإنسلاخات التي تظهر بين حين وآخر لا تبدو في نظري خطوة حقيقية نحو وقف الحرب أو إنقاذ البلاد، بقدر ما تبدو محاولة لإعادة ترتيب الشراكات وموازين القوة داخل المكون العسكري نفسه ذلك الذي كان شريكاً في السلطة قبل اندلاع الحرب!!
🤨 ولذلك يبقى السؤال الأكبر معلقاً فوق رؤوس الجميع:
أيُّ معجزةٍ ينتظرها السودانيون من قادة الانقلاب والحرب؟!!
وأيُّ مشروع وطني ينتظرونه ممن لم يقدموا مشروعاً وطنياً قبل إندلاع الحرب، ولم يقدموا مشروعاً وطنياً لوقف الحرب، ولا يزال السودان في عهدهم يغرق أكثر فأكثر في دوامة الانهيار؟!!
إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من الخطب الحماسية
ولا إلى مزيد من التعبئة للحرب
ولا إلى مزيد من الشعارات الدينية التي تُستخدم لتبرير الكارثة
إنما يحتاج إلى شجاعة المراجعة
وشجاعة الاعتراف بالأخطاء
وشجاعة تقديم مصلحة الوطن على مصلحة الجماعات والأفراد
ويحتاج قبل كل شيء إلى مشروع سياسي وطني حقيقي يوقف نزيف الدماء ويعيد بناء الدولة على أسس العدالة والحرية وسيادة القانون واحترام إرادة الشعب السوداني!!
أما انتظار المعجزات من هؤلاء العسكر وشركائهم الذين كانوا هم من صنعوا هذه الفتنة والحرب ، فذلك رهان قد أثبتت السنوات الماضية أنه لا ينتج إلا مزيداً من الخيبة والانهيار!!
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
#السودان #أوقفوا_الحرب #لا_للحرب.

زر الذهاب إلى الأعلى