كيف انتقل السودان من الأمل إلى حافة الزوال؟! قبل أن تسألني عن السياسة، دعني أسألك عن رغيف الخبز!!
وقبل أن تسألني عن الجيش أو الدعم السريع أو الحركة الإسلامية أو الحرية والتغيير، دعني أسألك عن سعر الدولار!!

محمد الفاتح حضرة
وقبل أن تسألني عن الشعارات الكبيرة التي ملأت الشاشات والمنابر طوال السنوات الماضية، دعني أسألك عن حال المواطن السوداني اليوم!!
لأن الدولار لا يكذب!!
والخبز لا يكذب!!
والجوع لا يكذب!!
والفقر لا يكذب!!
وملايين النازحين والمشردين لا يكذبون!!
🧐 انظر إلى السودان اليوم…
بلد يواجه واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم!!
ملايين المواطنين أصبحوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية من أجل البقاء على قيد الحياة!!
ملايين الأطفال مهددون بسوء التغذية!!
ملايين الأسر فقدت منازلها ومصادر دخلها واستقرارها!!
وملايين السودانيين أصبحوا بين نازح ولاجئ ومشرد داخل الوطن وخارجه!!
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نحو 19.5 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من الجوع وانعدام الأمن الغذائي، بينما أصبح السودان نفسه من أخطر بؤر المجاعة في العالم اليوم!!
هذه ليست أرقاماً مجردة!!
هذه أرواح بشر!!
وهذه حياة شعب كامل يتعرض للتدمير أمام أعين العالم أجمع!!
🤔 لكن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل سوداني على نفسه:
هل كان السودان دائماً هكذا؟!
وهل وصلنا إلى هذه المرحلة بسبب كارثة طبيعية أو زلزال أو إعصار؟!
أم أن هناك قرارات سياسية وعسكرية معروفة هي التي قادت البلاد إلى هذا المصير؟!
🛑 لنعد قليلاً إلى الوراء…
عندما انتصرت ثورة ديسمبر المجيدة وأسقطت نظام الإنقاذ، لم يكن السودان جنة على الأرض!!
ولم تكن الحكومة الانتقالية معصومة من الخطأ!!
ولم تكن قوى الحرية والتغيير نموذجاً للكمال السياسي!!
بل ارتكبت أخطاء كبيرة في الإدارة والمحاصصات والخلافات والانقسامات!!
لكن رغم ذلك كله، بدأت تظهر لأول مرة منذ سنوات طويلة ملامح أمل حقيقي في مستقبل السودان!!
خرج السودان من عزلته الدولية الخانقة!!
رُفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب!!
عادت المؤسسات المالية الدولية للتعامل معه!!
بدأت ترتيبات إعفاء الديون الخارجية التي تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات!!
عاد المستثمرون في دراسة فرص الاستثمار داخل السودان!!
وأصبحت العملات الأجنبية متاحة عبر النظام المصرفي بصورة أفضل مما كانت عليه خلال سنوات الإنقاذ الأخيرة!!
وبدأت الدولة تستعيد شيئاً من ثقة المجتمع الدولي التي فقدتها لعقود طويلة!!
كل ذلك حدث رغم أن المكون العسكري ظل محتفظاً بشركاته ومؤسساته الاقتصادية واستثماراته الضخمة خارج ولاية وزارة المالية وخارج الخزينة العامة للدولة!!
🛑 ثم جاءت لحظة 25 أكتوبر 2021م…
اللحظة التي غيرت مسار السودان كله!!
قرر قادة الجيش وقادة الدعم السريع، مدعومين بقوى سياسية كانت تخشى نجاح التحول الديمقراطي، الانقلاب على الحكومة الانتقالية برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك!!
وقيل يومها إن الانقلاب جاء من أجل الاستقرار!!
وقيل إنه جاء لإنقاذ البلاد!!
وقيل إنه جاء لتصحيح المسار!!
لكن الواقع الذي يراه السودانيون اليوم يطرح سؤالاً مشروعاً:
أين هو ذلك الاستقرار؟!
وأين هو ذلك الإنقاذ؟!
وأين هو ذلك التصحيح؟!
🛑 فمنذ الانقلاب…
تراجعت الثقة في الاقتصاد السوداني!!
وتراجعت فرص الاستثمار!!
وتعطلت مسارات الإصلاح الاقتصادي والسياسي!!
وعادت البلاد إلى حالة من الاضطراب وعدم اليقين السياسي والأمني والاقتصادي!!
ثم بدأ الصراع يتفاقم بين شريكي الانقلاب أنفسهم!!
ليس حول الديمقراطية!!
وليس حول التنمية!!
وليس حول مستقبل الشعب السوداني!!
بل حول السلطة والثروة والحكم!!
إلى أن انفجرت الحرب في 15 أبريل 2023م!!
🛑 ومنذ تلك اللحظة…
بدأ الانهيار الشامل!!
انهارت مؤسسات الدولة!!
انهارت الخدمات!!
انهارت قطاعات واسعة من الاقتصاد الوطني!!
انهارت قيمة العملة الوطنية بصورة غير مسبوقة!!
وتوسعت دوائر الفقر والجوع والنزوح واللجوء بصورة مخيفة!!
وأصبح المواطن السوداني يدفع ثمن صراع لا ناقة له فيه ولا جمل!!
😡 والسؤال الذي لا يريد دعاة الحرب الإجابة عليه:
من الذي استفاد من كل هذا الخراب؟!
هل استفاد المزارع؟!
هل استفاد العامل؟!
هل استفاد الموظف؟!
هل استفاد التاجر الصغير؟!
هل استفادت الأسر التي فقدت أبناءها ومنازلها ومصادر رزقها؟!
أم أن المستفيدين الحقيقيين هم أمراء الحرب وتجار الحرب وشبكات المصالح المرتبطة بالحرب؟!
🛑 ثم انظروا إلى الذهب…
ذلك المورد الذي كان يمكن أن يكون طوق نجاة للاقتصاد السوداني!!
أطنان هائلة من الذهب تخرج سنوياً من السودان!!
ولو دخلت عائداتها كاملة إلى الخزينة العامة لكان بالإمكان دعم العملة الوطنية وتحسين الخدمات وتخفيف معاناة المواطنين!!
لكن الواقع الذي يعرفه السودانيون هو أن قطاع الذهب ظل لعقود طويلة ساحة مفتوحة للنفوذ العسكري والجماعات المسلحة وشبكات التهريب والسماسرة وأصحاب المصالح الخاصة!!
وأصبح أحد أهم موارد البلاد يعمل خارج الاقتصاد الوطني الحقيقي أو بعيداً عن الرقابة والشفافية المطلوبة!!
🛑 والأدهى من ذلك…
أن دعاة الحرب ما زالوا حتى اليوم يطالبون باستمرار الحرب!!
وكأن ملايين الجوعى لا يكفون!!
وكأن ملايين النازحين لا يكفون!!
وكأن انهيار الاقتصاد لا يكفي!!
وكأن الخراب الذي أصاب السودان لا يكفي!!
بل ما زال بعض قادة الحركة الإسلامية والتيار الإسلامي العريض وحلفاؤهم من جماعات الحرب وأمراء السلاح يرفعون شعارات استمرار القتال وكأن الوطن مجرد غنيمة يتقاسمونها بينهم!!
🤨 الحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح هي أن الشعب السوداني هو الخاسر الأكبر من هذه الحرب!!
أما أمراء الحرب فلكلٍ منهم حساباته ومصالحه ومكاسبه!!
ولهذا لا يبدو أن معاناة المواطن العادي تحتل مكاناً متقدماً في أولوياتهم!!
🛑 ولكن قبل أن نُحمِّل أمراء الحرب وحدهم كل المسؤولية…
فلنقف مع أنفسنا وقفة صدق ومراجعة!!
فإن الله سبحانه وتعالى لم يجعل الأمة الإسلامية شاهدة على الناس لأنها الأقوى سلاحاً أو الأكثر عدداً أو الأغنى مالاً!!
وإنما جعل خيريتها مرتبطة بموقفها من الحق والباطل ومن العدل والظلم ومن المعروف والمنكر!!
قال الله تعالي :
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ آل عمران: 110
🧐 فماذا يحدث عندما يصمت الناس عن المنكر؟!
وماذا يحدث عندما يرون الظلم فلا يعترضون؟!
وماذا يحدث عندما يشاهدون وطنهم يُساق إلى الهاوية ثم يكتفون بالمشاهدة أو التبرير أو الانحياز لهذا المعسكر أو ذاك؟!
لقد أجاب النبي ﷺ عن ذلك بوضوح حين قال:
«والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»
😔 ولذلك جاء التحذير القرآني المخيف:
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ الأنفال: 25
أي أن ثمن الصمت عن الظلم لا يدفعه الظالم وحده!!
وثمن السكوت عن المنكر لا يدفعه المجرم وحده!!
بل قد تتحول الفتنة إلى عقوبة عامة تصيب المجتمع كله…
الظالم والساكت!!
والفاسد والمتفرج!!
والمجرم ومن برر له جريمته!!
🛑 ولهذا…
فإن المأساة السودانية ليست مجرد قصة جنرالات يتصارعون على السلطة والثروة والحكم!!.
وليست مجرد قصة أحزاب فشلت في إدارة المرحلة الانتقالية!!
وليست مجرد قصة جماعات سياسية ودينية وضعت مصالحها فوق مصلحة الوطن!!
🧐🫵بل هي أيضاً قصة مجتمع لم يقف بالقدر الكافي في وجه الإنقلاب !!
🫵ولم يقف بالقدر الكافي في وجه الحرب!!
وانقسم كثير من أبنائه بين معسكري البرهان وحميدتي بينما كان السودان نفسه هو الضحية الكبرى!!
🛑 أما أنا…
فلا أرى أملاً في كل هؤلاء العسكر الانقلابيين الذين كانوا هم من أوصلوا البلاد إلى هذا المصير!!
ولا أرى أملاً في كل أمراء الحرب الذين يتغذون على إستمرار الحرب!!
ولا أرى أملاً في كل تلك القوى المدنية والسياسية الانتهازية التي تتعامل مع الوطن بإعتباره غنيمة سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية!!
كما لا أرى أملاً في كل تلك القطاعات من الشعب السوداني التي ما زالت تبرر الخراب أو تشارك في السرقة والنهب أو ترفض رؤية الحقيقة رغم وضوحها كالشمس!!
لكن…
ورغم كل هذا السواد…
فإن الأمل لم يمت بعد!!
🧐 نعم…
ما زالت هناك بقية صالحة من الرجال والنساء السودانيين!!
ما زالت هناك عقول حرة!!
وضمائر حية!!
وأكاديميون ومهنيون ومفكرون وعلماء وشباب وشابات لم يبيعوا ضمائرهم ولم يتاجروا بدماء الناس ولم يشاركوا في نهب الوطن!!
🫵هؤلاء هم الأمل بعد الله سبحانه وتعالى !!
🫵هؤلاء هم الذين يمكن أن يعيدوا بناء السودان من جديد عندما تنتهي هذه الحقبة المظلمة من تاريخ بلادنا!!
أما الذين أوصلوا السودان إلى هذا الخراب…
فقد جربهم الشعب بما فيه الكفاية!!
😡💢 والسؤال الذي أتركه لكل قارئ شريف:
هل ستقف مع دعاة الحرب؟!
أم ستقف مع مشروع إنقاذ السودان؟!
هل ستقف مع تجار الدمّ؟!
أم ستقف مع الذين يريدون إيقاف نزيف الوطن؟!
هل ستقف مع من أوصلوا السودان إلى حافة الزوال؟!
أم ستقف مع من يحاولون إنقاذ ما تبقى منه؟!
ذلك هو السؤال…
وذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم!!
✍️ محمد الفاتح حضرة
#السودان
#أوقفوا_الحرب
#لا_للانقلابات_العسكرية
#الدولة_المدنية
#السلام_والعدالة



