الأعمدة

في حضرة الاحتراق: حين تصبح البيانات مقبرةً للضمير”

يحيى أبنعوف
نقف اليوم أمام مشهدٍ عبثيٍّ يندى له جبين الإنسانية، حيث يُختزل نيرُ وطنٍ يُحرق، وكرامة شعبٍ يُستباح، في أوراقٍ باردةٍ تصدر من ردهات الأمم المتحدة، ممهورةً بخاتم “الإدانة” و”الاستنكار”. إنها مفارقةٌ تفوق في قسوتها قسوة الرصاص؛ أن تقف المنظمة التي قامت على أنقاض الحروب لتكون حصناً للبشر، عاجزةً عن أكثر من لغة الإنشاء الباهت، بينما تستحيل المدن السودانية، من الفاشر إلى الأبيض، إلى أفرانٍ تلتهم الأحلام والأرواح.
أيُّ دلالةٍ لمفردة “نأسف” أو “ندين” في قاموسٍ لا يعرف إلا لغة الدماء؟ إنها كلماتٌ لا تُطفئ حريقاً، ولا تردُّ نازحاً إلى داره، ولا تُجبر كسراً ليتيمٍ فقدَ سنده. لقد تحولت بياناتهم إلى “أكفانٍ ورقية” نغلف بها جثامين أحلامنا، بينما يغرق العالم في صمتٍ مريب، متغافلاً عن أن التاريخ لا يغفر للمتفرجين، وأن “الاستنكار” حين يفتقر إلى مخالب الحزم، لا يعدو كونه تواطؤاً ناعماً بلسانٍ دبلوماسي.
إنه لعجبٌ أن تظل هذه المنظومة حبيسة “أدبيات الشجب”، تلوح بها في وجه آلة الحرب التي لا تعترف بغير قوة البطش. إن الشعب السوداني لا يقتات على بيانات القلق، ولا يرتوي من محابر الإدانة؛ هو يحترق، وفي حضرة الحريق، تصبح الإدانة ترفاً لا يغتفر، واستخفافاً بجراحٍ فاقت حدود الوصف.
إن كان المجتمع الدولي يظن أن “الإدانة” صكُّ براءةٍ من المسؤولية، فهو واهمٌ في قراءة الواقع؛ فالتاريخ سيسجل أننا متنا ببطءٍ تحت مرأى ومسمع “الشرعية الدولية”، التي اكتفت بأن تكون شاهداً على المحرقة، لا طوق نجاةٍ منها. إننا لا نستجدي عاطفةً، بل نطالب بصرخةِ حقٍّ تكسر هذا الصمت المطبق، فإما أن يُنتزع الحق بالقوة والمواقف الجليلة، وإما أن تظل هذه البيانات مجرد “أثرٍ بعد عين”، تزيد من غصة الوطن، وتُعمّق جرح الإنسان الذي ضاع بين مطرقة الصراع وسندان العجز الدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى