الأعمدة

الجنرال البرهان يواجه كل هذه الاتهامات والملفات القانونية.. فكيف يُطرح لحكم السودان؟

محمد الفاتح حضرة
⚖️ قبل أن تختاروا البرهان حاكماً للسودان.. ابدأوا أولاً بحسم مركزه القانوني!!
منذ أسابيع تدور حملة إعلامية واسعة تحت اسم «الشباب السوداني المستقل» للترويج لاختيار الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيساً للجمهورية وحاكماً للسودان!!
وقبل أن نتحدث عن شعبية البرهان..
وقبل أن نتحدث عن ترشيحه..
وقبل أن نتحدث عن مستقبله السياسي..
دعونا نتحدث عن القانون!!
فالبرهان ليس مجرد قائد عسكري يُطرح اسمه للحكم..
إنه رجل يواجه عدداً من الملفات والاتهامات الخطيرة، بموجب قانون القوات المسلحة لسنة 2007م، والقانون الجنائي لسنة 1991م، والوثيقة الدستورية.
ولعل الأخطر من ذلك أن مركزه القانوني كضابط في القوات المسلحة نفسه يثير سؤالاً جوهرياً منذ اليوم الذي تولى فيه منصباً دستورياً في مجلس السيادة!!
⚖️ أولاً.. البرهان أصبح محالاً للمعاش منذ توليه المنصب الدستوري!!
المادة (51) من قانون معاشات ضباط القوات المسلحة لسنة 1976م تنص بوضوح:
«إذا عُيّن الضابط في منصب سياسي دستوري أو وزاري أو والي ولاية، يعتبر ذلك الضابط محالاً للتقاعد بالمعاش من تاريخ ذلك التعيين…»
والبرهان عُيّن رئيساً لمجلس السيادة الانتقالي، وهو منصب دستوري.
وبالتالي، ووفقاً للنص الصريح للقانون، فإن الضابط الذي يُعيّن في منصب سياسي دستوري يُعتبر محالاً للمعاش من تاريخ تعيينه.
وهنا تقع المفارقة القانونية الكبرى:
كيف أصبح هذا الرجل بعد ذلك قائداً للجيش؟!
وكيف يستمر التعامل معه باعتباره ضابطاً عاملاً وقائداً للمؤسسة العسكرية، رغم أن القانون يقول إنه يُعتبر محالاً للمعاش من تاريخ توليه المنصب الدستوري؟!
هذه ليست قضية سياسية..
إنها قضية قانونية بامتياز!!
🛑 ثانياً.. البرهان إنقلابي منذ 25 أكتوبر 2021!!
في 25 أكتوبر 2021 لم يقع مجرد خلاف سياسي بين مكونات السلطة الانتقالية.
لقد وقع انقلاب عسكري على النظام الدستوري القائم.
حُلَّ مجلس الوزراء..
وحُلَّ مجلس السيادة..
اعتُقل رئيس الوزراء وعدد من الوزراء والمسؤولين..
أُعلنت حالة الطوارئ..
وعُلّقت مواد أساسية من الوثيقة الدستورية.
والذي أعلن هذه الإجراءات هو البرهان نفسه.
ولهذا فإن قانون القوات المسلحة لسنة 2007م يضع أمامنا نصاً بالغ الخطورة:
جريمة التمرد على النظام الدستوري
فالمادة (162) تجرّم من يقوم أو يتفق أو يخطط مع آخرين للمساس بالنظام الدستوري باستخدام القوة المسلحة، أو يثير الحرب ضدها، أو يقوم بالإعداد المادي أو المعنوي لذلك.
وهذا هو الوصف القانوني الذي يجب أن تبحثه النيابة والقضاء في وقائع 25 أكتوبر 2021م.
⚖️ ثالثاً.. والقانون الجنائي لسنة 1991م يتحدث أيضاً عن «تقويض النظام الدستوري»!!
المادة (50) من القانون الجنائي لسنة 1991م تنص على تجريم من يرتكب أي فعل بقصد تقويض النظام الدستوري للبلاد أو تعريض استقلالها أو وحدتها للخطر.
وهنا لا نتحدث عن تحليل سياسي..
ولا عن موقف حزبي..
ولا عن خصومة مع البرهان.
نتحدث عن نصوص جنائية قائمة في القانون السوداني.
🛑 رابعاً.. وهناك بلاغات وشكاوى قُدمت فعلاً بعد انقلاب 25 أكتوبر!!
بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021م، قُدمت للنيابة العامة عرائض وشكاوى تطالب بفتح بلاغات في مواجهة البرهان وحميدتي وعدد من القادة العسكريين وغيرهم، على خلفية تقويض النظام الدستوري والمشاركة في الانقلاب والتحريض عليه أو دعمه.
وكانت العرائض تطالب بتطبيق المادة (162) من قانون القوات المسلحة، إلى جانب النصوص ذات الصلة في القانون الجنائي.
وهنا السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه:
ماذا فعلت النيابة العامة بشأن هذه البلاغات؟!
هل فُتحت البلاغات؟!
هل بدأت التحريات؟!
هل تم التحقيق مع البرهان وحميدتي وبقية المشكو ضدهم؟!
هل حُفظت هذه البلاغات؟!
وإذا كانت قد حُفظت..
فما هو الأساس القانوني للحفظ؟!
وإذا كانت لا تزال مفتوحة..
فأين وصلت الإجراءات؟!
هذه أسئلة قانونية مشروعة لا تسقط بالتقادم السياسي ولا بالصمت الرسمي.
⚖️ خامساً.. وهناك أيضاً طعون دستورية في قرارات البرهان !!
قرارات 25 أكتوبر وما ترتب عليها لم تكن خارج دائرة القضاء الدستوري.
فقد قُدمت طعون دستورية تتعلق بقرارات وإجراءات السلطة التي أنشأها الانقلاب، ولا تزال هناك مسائل وطعون دستورية مطروحة أمام المحكمة الدستورية.
والمفارقة التي تستحق التوقف عندها أن المحكمة الدستورية قد عادت للعمل مؤخراً بعد تعيين رئيس لها من جانب البرهان نفسه.
فقد عيّن البرهان الدكتور وهبي محمد مختار رئيساً للمحكمة الدستورية في أغسطس 2025م.
ثم اكتمل تشكيل المحكمة لاحقاً بتعيين عدد من أعضائها.
وهنا تصبح المسألة أكثر حساسية:
كيف ستفصل المحكمة الدستورية في طعون تتعلق بقرارات وإجراءات سلطة كان البرهان هو رأسها، بينما رئيس المحكمة نفسه قد عيّنه البرهان؟!
لا أقول إن هذا الوضع سيحسم موقف المحكمة..
لكنني أقول إن استقلال المحكمة الدستورية وحيادها في هذه الملفات يجب أن يكونا فوق كل شبهة أو تأثير سياسي.
فالمحكمة الدستورية هي حارسة الدستور..
وليست أداة لإضفاء الشرعية على أي سلطة سياسية أو عسكرية.
🛑 سادساً.. البرهان يواجه أيضاً ملف فض اعتصام القيادة العامة!!
في 3 يونيو 2019م وقعت مجزرة فض اعتصام القيادة العامة.
وكان البرهان يومها رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي، وفي قمة السلطة العسكرية في البلاد.
وقد شملته التحقيقات المتعلقة بما جرى.
والقانون الجنائي لسنة 1991م يتضمن نصوصاً خطيرة بشأن الجرائم ضد الإنسانية والقتل والاشتراك والتحريض والمساعدة وغيرها من صور المسؤولية الجنائية.
وتنص المادة (186) على تجريم المشاركة أو التشجيع أو التعزيز لهجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين مع العلم بذلك.
وهنا أيضاً..
لا نتحدث عن إدانة قضائية للبرهان.
نتحدث عن ملف جنائي خطير يحتاج إلى تحقيق مستقل، وتحديد للمسؤوليات وفقاً للقانون.
🛑 سابعاً.. ثم جاءت الحرب!!
بعد ذلك جاءت حرب 15 أبريل 2023م.
حرب تحولت إلى كارثة وطنية وإنسانية غير مسبوقة، وارتُكبت خلالها انتهاكات وجرائم خطيرة بحق المدنيين.
وقانون القوات المسلحة نفسه يتضمن نصوصاً تتعلق بجرائم الحرب والانتهاكات ضد المدنيين والمحتجزين وغيرهم.
كما يتضمن القانون الجنائي لسنة 1991م أحكاماً بشأن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والوسائل والأسلحة المحظورة.
ومع استمرار الحرب ظهرت ملفات جديدة وخطيرة تتعلق بالانتهاكات التي ارتكبتها أطرافها.
⚠️ وثمّة ملف أخطر: الأسلحة الكيميائية ‼️
الولايات المتحدة أعلنت أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية.
ثم ظهرت مؤخراً تقارير وتحقيقات دولية حديثة تتحدث عن برنامج للأسلحة الكيميائية واستخدام مواد قائمة على الكلور خلال الحرب.
وظهرت كذلك وثائق ورسائل ومعلومات تتحدث عن علم قيادات عسكرية عليا بهذه الأنشطة.
🫵بالتأكيد هذه وقائع واتهامات بالغة الخطورة..
تحتاج إلى تحقيق دولي مستقل، وإلى تحقيق قضائي سوداني شفاف، وإلى تحديد المسؤولية الجنائية لكل من تثبت صلته بها.
ولا يجوز أن تتحول الاتهامات إلى أحكام قضائية قبل ثبوتها..
لكن في الوقت نفسه:
لا يجوز دفنها لأنها تمس قائداً عسكرياً أو رأس السلطة القائمة في السودان !!
🛑 وأخيراً..
السؤال المنطقي:
كيف يُقدَّم رجل يواجه كل هذه الملفات لحكم السودان؟!
هنا أصل إلى جوهر المسألة.
رجل يبدأ مركزه القانوني كضابط في القوات المسلحة بإشكال يتعلق بنص قانوني يعتبره محالاً للمعاش منذ توليه منصباً دستورياً..
ثم يصبح قائداً فعلياً للجيش..
ثم يقود انقلاب 25 أكتوبر 2021م..
ثم تُقدم ضده وضد آخرين بلاغات وشكاوى تتعلق بتقويض النظام الدستوري..
وتوجد طعون دستورية تتعلق بقرارات وإجراءات تلك المرحلة..
وتحيط به ملفات تتعلق بمجزرة فض اعتصام القيادة العامة..
ثم حرب 15 أبريل 2023م وما صاحبها من اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية..
ثم تظهر اتهامات دولية خطيرة باستخدام الأسلحة الكيميائية..
ثم يأتي من يقول لنا: اختاروا البرهان رئيساً للجمهورية وحاكماً للسودان!!
🛑 وهنا أيضاً سؤال مطروح.. بأي دستور سيكون البرهان «رئيساً للجمهورية»؟!
إن الوثيقة الدستورية لسنة 2019م لم تنشئ نظاماً رئاسياً بهذا الاسم.
ولم يكن فيها منصب اسمه «رئيس الجمهورية».
كان رأس الدولة في الفترة الانتقالية هو مجلس السيادة، وكانت السلطة التنفيذية بيد مجلس الوزراء ورئيس الوزراء وفقاً للترتيبات الدستورية.
فمن أين جاء هذا الحشد بالسند القانوني لإختيار البرهان رئيساً للجمهورية؟!
وبأي دستور؟!
وبأي نظام حكم؟!
وبأي شرعية؟!
⚖️ لا أطلب إدانة البرهان عبر منشور علي فيسبوك!!
🫵ولكن القضاء وحده هو الذي يقول كلمته.
لكنني أطالبكم بشيء أبسط وأهم:
افتحوا الملفات!!
حققوا في البلاغات!!
احسموا الطعون الدستورية!!
حققوا في انقلاب 25 أكتوبر!!
حددوا مسؤولية كل من خطط وشارك واتفق وحرّض وساعد!!
وحققوا في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وكل الانتهاكات التي وقعت خلال الحرب!!
ثم من بعد ذلك..
رشحوا برهانكم كيف شئتم!!
أما أن نبدأ بتقديم رجل تحيط به كل هذه الملفات باعتباره الحاكم المنتظر للسودان، ثم نبحث له بعد ذلك عن الشرعية..
فهذا محض خطل ‼️
✍️محمد الفاتح حضرة

زر الذهاب إلى الأعلى