الأعمدة

إنهم يبيعون الوطن ويضيّقون الخناق على السودانيين”

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
“أرض الذهب تُباع بالمزاد”
منذ فجر التاريخ، عرف العالم هذه الأرض باسم “نوبيا” أرض الذهب. وكان المصريون القدماء أنفسهم أول من نحتوا هذا الاسم، معترفين بما تحمله هذه الأرض في أحشائها من كنوز لا تُحصى. اليوم، بعد آلاف السنين، يتكرر المشهد ذاته، لكن بصورة أكثر مرارةً وأشد فجاجةً: فالذين كانوا يُغيرون على ذهب النوبة بالسيف والرمح عادوا اليوم بالعقود والاتفاقيات والصمت المشبوه، وعاد معهم حُرَّاس الوطن المزعومون يفتحون لهم الأبواب بأيديهم.
السودان لا يحتاج اليوم إلى أعداء من الخارج، فقد كفاه من يسمّون أنفسهم قيادةً وحكومةً وجيشاً.
تهريب الذهب: الجريمة التي لا يُحاكَم عليها أحد
استحوذت شركة مصرية على حصة تبلغ 85% في منجم ذهب سوداني – وذلك في خضم الحرب الأهلية المدمرة، حين يكون السودانيون مشغولين بدفن موتاهم وعدّ جرحاهم. هذا ليس استثماراً، هذا انتهاز لفرصة الألم، واقتناص لثروات شعب محطّم في أشد لحظاته هشاشةً وضعفاً.
والأدهى أن هذه الصفقة لا تمثل مجرد دخول تجاري، بل هي انضمام إلى جانب محدد ومنظم في اقتصاد الحرب، يعمل على إضفاء الطابع الرسمي على خط أنابيب الذهب المتدفق من أعماق السودان إلى الشمال، ثم يُكرَّر ويُغسَّل ويظهر في أسواق جنيف ودبي بوجه نظيف لا يحمل أثراً من الدم السوداني الذي أُريق في سبيله.
هكذا تسير القافلة الملعونة: يُستخرج الذهب من أحشاء الأرض السودانية، تسيل من أجله الدماء، يقتل العمال فيه أو يُقتلون، ثم يشق طريقه سراً إلى الخارج في شاحنات التهريب وبراثن المافيا، فيما الحاكم يغطّ في نوم عميق – أو يتظاهر بذلك.
تقديرات موثوقة تشير إلى أن ما بين خمسين وثمانين بالمئة من الإنتاج السوداني من الذهب يُهرَّب خارج الحدود، وأن خسائر السودان من جراء هذا النهب الممنهج خلال العقد الماضي تبلغ ما بين ثلاثة وعشرين وستة وثلاثين مليار دولار.
ثلاثة وعشرون مليار دولار! وشعب يتسوّل الدواء ويموت على أبواب المستشفيات المُهدَّمة.
“جريمة في حق الأجيال القادمة”
لو أن هذا النهب يطال الحاضر وحده لهان الأمر نسبياً، لكن الفاجعة الحقيقية أن هؤلاء الحكام لا يبيعون الحاضر فحسب، بل يرهنون المستقبل ويبيعون ما لم يُولَد بعد.
فأيّ ميراث سيجد أبناء السودان القادمون حين يكبرون ويفتحون أعينهم على وطنهم؟ سيجدون أرضاً استُنزفت معادنها بعقود ممتدة لعقود، ومناجم فرغت خزائنها، وثروات وُزِّعت على الغرباء جيلاً كاملاً قبل أن يولدوا. سيجدون ديوناً متراكمة واتفاقيات موقّعة بأيدي من لم يستأمنوهم، وأرضاً باتت مُثقَلةً بالتزامات لا تملك من سدادها شيئاً.
إن أشد أنواع الخيانة إثماً ليست تلك التي يشهدها أصحابها ويقدرون على المطالبة بحقهم منها، بل تلك التي يرثها من لم يكن له فيها رأي ولا صوت ولا حضور. هؤلاء الحكام لا يخونون السودانيين الأحياء فحسب، بل يخونون كل طفل لم يخطُ بعد خطوته الأولى على هذه الأرض.
“الصمت الذهبي: حين يصمت الحاكم وتتكلم الجريمة”
سؤال واحد لا تملك له حكومة البرهان جواباً: إذا كانت لا تعلم بما يجري على أرضها، فهي عاجزة لا تستحق أن تُسمَّى حكومة. وإذا كانت تعلم وتصمت، فهي شريكة في الجريمة ولا تستحق أن تُسمَّى وطنية. وفي الحالتين، المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر والضحية الأولى.
لقد باتت الأراضي السودانية حديقةً خلفية تقطف منها الدول المجاورة وغير المجاورة ما تشاء متى شاءت، وتدفع ما يسمح به الجشع لا ما تستحقه السيادة. ووقّع البرهان في بكين اتفاقيات في مجالات التعدين والطاقة والزراعة دون أن يعرف الشعب السوداني تفاصيلها ولا شروطها، ولا ما أعطى ولا ما أخذ. حكومة تتفاوض في الظلام، وتوقّع في غياب أصحاب الأرض الحقيقيين.
وإن صحّت الأنباء المتداولة عن منح امتيازات تعدينية لمدد طويلة مقابل مبالغ زهيدة ونسب ضئيلة من الأرباح، فذلك أفدح من البيع، وأقرب إلى الهبة – هبة تراب وطن لا يملك من يمنحه حق التصرف فيه.
“السودان يُصدِّر الذهب ويستورد الجوع”
هذه هي المفارقة التي تعجز اللغة عن وصف قسوتها: السودان يُصدِّر الذهب ويستورد الجوع. يُصدِّر المعادن ويستورد الدواء. يُصدِّر ثرواته النفيسة ويستورد الإهانة والتبعية. يمنح الآخرين النحاس والذهب والزرع والثروة الحيوانية، ويأخذ في المقابل الفقر والديون والوعود الفارغة.
بلد يملك من الموارد ما يكفي لإطعام قارة بأسرها، لكن أربعين مليون من أبنائه يقفون اليوم على حافة المجاعة. بلد تحت أقدام أبنائه ذهب لا يرون منه درهماً، وفوق رؤوسهم سماء تمطر خيراً لا يصل إليهم منه شيء. هذه ليست أزمة اقتصادية تعرفها الأمم وتتجاوزها، وليست نكبة عابرة تمر وتنقضي – هذه جريمة منظمة بامتياز، تُدار بحساب ودراية، ولها مستفيدون يعرفون أسماءهم وعناوينهم.
ولم يكتفِ الحاكم بكل هذا، بل مدّ يده ليتحصّل من المواطن رسوماً حتى لدفن موتاه. دفن الموتى! كأن الموت في هذا البلد المنكوب لم يعد حقاً طبيعياً يمر بكرامة، بل بات امتيازاً يُدفع ثمنه من جيوب فارغة ومن قلوب مكسورة.
“لمصلحة من يُباع الوطن؟”
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُكتب على كل جدار، وأن يُردَّد في كل مجلس، وأن يسأله كل سوداني لنفسه قبل أن ينام:
لمصلحة من تتدفق ثروات السودان إلى خارج حدوده بينما أبناؤه يتضورون جوعاً؟ لمصلحة من يُحكَم الطوق على المواطن بالرسوم والقيود والقهر، بينما تُفتح للغريب كل الأبواب ويُمنح كل الامتيازات؟ لمصلحة من يصمت الحاكم صمت الشريك حين تُنهَب أرض من استأمنوه عليها؟
السودان لم يكن فقيراً يوماً بموارده، لكنه كان دائماً فقيراً بحكامه. أرضه تعطي ولا تبخل، وسماؤه تمطر، وأنهاره تجري، ومعادنه تتراكم في الأعماق – لكن يداً لا تتورع، تارةً تلبس ثوب الجنرال وتارةً تلبس ثوب الحكومة، لا تكاد تترك هذا الشعب ينهض حتى تعود وتضرب ركبتيه من جديد.
الشعب السوداني لم يُهزَم في ميدان، ولم يتخلَّ عن وطنه باختياره. لكنه وجد نفسه، جيلاً بعد جيل، يدفع فاتورة خيانات لم يرتكبها، ويحمل أوزار صفقات لم يعلم بها، ويبكي على ثروات لم يرَ منها درهماً واحداً.
وتاريخ الأمم لا يرحم الصامتين، ولا يغفر للمتواطئين، ولا يمر على الخائنين بسلام.
والسودان – مهما طال الليل – سيبقى لأهله.

زر الذهاب إلى الأعلى