الأعمدة

العدالة النسوية والنظام الصحي في السودان: نحو تفكيك الهياكل الأبوية والتهميش الجغرافي

د. إحسان فقيري
لا يمكن النظر إلى الصحة بوصفها مسألة طبية محضة أو خدمة تقنية تقتصر على تشخيص الأمراض وعلاجها، إذ ترتبط بصورة وثيقة بالبنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيش في ظلها الأفراد. وفي السودان، تكشف أوضاع النساء عن اختلالات عميقة في النظام الصحي تتجاوز نقص الأدوية والمرافق، لتطال أنماط توزيع السلطة والموارد، والعلاقات الاجتماعية التي تحدد من يملك الحق في اتخاذ القرار بشأن الجسد والحياة والصحة.
ومن هذا المنطلق، تطرح العدالة النسوية مقاربة مختلفة للصحة، ترى فيها حقاً إنسانياً شاملاً يرتبط بالكرامة والحرية والمساواة، ويتطلب مواجهة البنى الأبوية والطبقية، ومعالجة التهميش الجغرافي وعدم تكافؤ الفرص في الحصول على الخدمات الصحية.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن صحة النساء في السودان مدخلاً لفهم أوسع لطبيعة التفاوتات البنيوية التي أنتجت واقعاً صحياً غير عادل، يتقاطع فيه النوع الاجتماعي مع الفقر والحرب والتهميش.
أولاً: مفهوم الصحة.. من المنظور العالمي إلى الرؤية النسوية
1. الصحة كحق إنساني أصيل
تعرف منظمة الصحة العالمية الصحة بأنها حالة من الرفاه البدني والنفسي والاجتماعي الكامل، وليست مجرد غياب المرض أو العجز. كما تؤكد أن التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة حق أساسي لكل إنسان دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو المعتقد أو الوضع الاقتصادي والاجتماعي.
ويعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 أحد أهم المرجعيات المؤسسة لهذا الحق، حيث تنص المادة (25) على أن: “لكل شخص حق في مستوى معيشي يكفي لضمان الصحة والرفاه له ولأسرته، وخاصة على صعيد المأكل والملبس والمسكن والعناية الطبية والخدمات الاجتماعية الضرورية”.
2. تجاوز الرعاية الطبية إلى تفكيك البنى الطبقية والأبوية
من منظور العدالة النسوية، لا يقتصر مفهوم الصحة على توفير العلاج والخدمات السريرية، بل يمتد إلى تفكيك علاقات القوة والهياكل الطبقية والأبوية التي تؤثر بصورة مباشرة في صحة الأفراد، ولا سيما النساء.
وتلزمنا هذه الرؤية بالنظر إلى المحددات الاجتماعية للصحة، بما في ذلك السياسات العامة، وعدالة توزيع الموارد والثروة، والبيئة المحيطة، وظروف العمل، وإمكانية الوصول المتكافئ إلى الخدمات الأساسية. فالصحة ليست شأناً فردياً معزولاً، بل نتاجاً لبنية اجتماعية وسياسية تحدد فرص الحياة والنجاة والرفاه.
ثانياً: واقع النظام الصحي السوداني.. اختزال واختلال
على مدى عقود، اختزل النظام الصحي في السودان صحة المرأة في بعدها الإنجابي، أي الحمل والولادة، متجاهلاً المقاربة النسوية التي تنظر إلى الصحة باعتبارها مفهوماً أوسع يشمل السلامة الجسدية والنفسية والمهنية والبيئية.
وحتى هذا الجانب الإنجابي جرى التعامل معه بصورة مجتزأة، من خلال التركيز على توزيع وسائل تنظيم الأسرة والتوعية النظرية بتباعد الولادات وأهمية الرضاعة الطبيعية، دون تمكين النساء من حقهن الكامل في المعرفة، وفي اتخاذ القرار الحر بشأن أجسادهن، وفي الحماية من مختلف أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي.
ثالثاً: معركة ملكية الجسد والوصاية الطبية والاجتماعية
يفرض واقع النساء في السودان سؤالاً محورياً يتعلق بملكية الجسد وحدود الوصاية المفروضة عليه، هل تمتلك المرأة حق اتخاذ القرار بشأن جسدها وصحتها؟ وتتجلى الإجابة عن هذا السؤال عند تتبع مسار حياة الأنثى السودانية منذ الطفولة وحتى ما بعد الزواج.
انتهاكات الطفولة المبكرة
تتعرض كثير من الفتيات في سن مبكرة، غالباً قبل الخامسة، لممارسة تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية (الختان)، وهي ممارسة تتم في الغالب بأدوات بدائية وعلى أيدي أشخاص يفتقرون إلى التدريب والمعرفة الطبية، مما يعرض الطفلات لمضاعفات صحية خطيرة تشمل النزيف والالتهابات والكزاز، فضلاً عن الآثار النفسية الممتدة. كما شهدت أجساد الفتيات عبر فترات تاريخية ممارسات ثقافية أخرى، مثل الشلوخ ودق الشلوفة، وإن كانت هذه العادات في طريقها إلى التراجع والانحسار.
تبعية القرار الجسدي بعد الزواج
لا تنتهي الوصاية على جسد المرأة بانتهاء مرحلة الطفولة، بل تنتقل في كثير من الأحيان إلى الزوج والأسرة، حيث تُجبر بعض النساء على إعادة خياطة وتشويه أعضائهن التناسلية بعد الولادة فيما يعرف بالختان الفرعوني أو “العدل”، بما يعكس استمرار السيطرة الاجتماعية على الجسد الأنثوي.
الوصاية على قرارات تنظيم الأسرة
حتى القرارات المتعلقة بتنظيم الأسرة وتباعد الولادات لا تنفصل عن هذه الوصاية، إذ تشترط الأعراف والممارسات السائدة موافقة الرجل في بعض الإجراءات الطبية الحاسمة، مثل عمليات ربط الأنابيب، رغم المخاطر الصحية التي قد يسببها الحمل المتكرر للمرأة. وفي حالات عديدة، يجري تبرير رفض هذه الإجراءات بخطابات دينية وتأويلات اجتماعية تحرم المرأة من حقها في اتخاذ القرار المتعلق بحياتها وسلامتها الجسدية.
رابعاً: التهميش الجغرافي وانهيار البنية التحتية للأمومة
رغم الخطابات الرسمية المتكررة حول أهمية صحة الأمومة والطفولة، فإن الواقع يكشف عن ضعف شديد في البنية التحتية الصحية، وعن اختلالات ناجمة عن غياب الإرادة السياسية والتوزيع غير العادل للموارد والخدمات.
المركزية القاتلة ومآسي الطرق
تتركز معظم الخدمات الصحية المتخصصة في المدن الكبرى، بينما تواجه نساء الريف والأقاليم أوضاعاً بالغة القسوة، إذ يضطررن إلى قطع مسافات طويلة عبر طرق غير آمنة للوصول إلى المستشفيات، وهو ما يؤدي في كثير من الحالات إلى فقدان النساء حياتهن قبل الحصول على الرعاية اللازمة.
الولادات المنزلية وانهيار قطاع القابلات
في العديد من مناطق السودان، لا تزال الولادات المنزلية تمثل النسبة الأكبر من حالات الوضع، في ظل النقص الحاد في الكوادر الصحية المؤهلة.
وفي وقت كان الاتحاد النسائي السوداني ينادي منذ عقود بتوفير قابلة قانونية مدربة في كل حي، أدى تراجع الخدمات العامة إلى إغلاق مؤسسات تاريخية رائدة، من بينها مدرسة الدايات بأم درمان، التي تأسست عام 1920، الأمر الذي عمق الفجوة في خدمات الأمومة والولادة، وحرم أعداداً كبيرة من النساء من الرعاية الآمنة.
خامساً: اقتصاد الرعاية غير المدفوع وصحة النساء في زمن الحروب
عبء الرعاية المنزلية
تقع على النساء والفتيات مسؤوليات الرعاية اليومية للأطفال والمسنين وذوي الإعاقة والمرضى، وهي أعمال غير مدفوعة الأجر ولا تحظى باعتراف اقتصادي أو اجتماعي كاف.
ويؤدي هذا العبء المتواصل إلى استنزاف النساء بدنياً ونفسياً، ويجعلهن أكثر عرضة للأمراض المزمنة والضغوط النفسية، في ظل استمرار أنماط التمييز وعدم المساواة داخل الأسرة والمجتمع.
أزمة الحروب والنزاعات
خلال فترات الحرب والأزمات الإنسانية، غالباً ما يجري التعامل مع احتياجات النساء الصحية باعتبارها قضية ثانوية يمكن تأجيلها، مقارنة بخدمات الطوارئ والإغاثة المباشرة. ويمثل هذا التهميش انتهاكاً واضحاً لمبادئ العدالة النسوية، إذ تجد النساء أنفسهن في مواجهة الحمل والولادة والأمراض المزمنة والعنف وانعدام الأمان، في ظل انهيار الخدمات الصحية الأساسية وغياب الحماية.
سادساً: خارطة الطريق نحو نظام صحي عادل
يتطلب تحقيق العدالة النسوية في القطاع الصحي السوداني إعادة النظر جذرياً في الفلسفة التي يقوم عليها النظام الصحي، والانتقال نحو نموذج جديد يستند إلى المبادئ الآتية:
الصحة حق وليست سلعة، يقتضي بناء نظام صحي عادل رفض إخضاع الرعاية الصحية لمنطق السوق والربح، وتحميل الدولة مسؤوليتها الأساسية في توفير خدمات صحية مجانية وشاملة وعالية الجودة، باعتبارها حقاً للمواطنات والمواطنين لا امتيازاً لمن يملكون القدرة على الدفع.

ديمقراطية التخطيط الصحي، يتطلب الأمر إشراك المجتمعات المحلية، والمهنيين الصحيين، والنقابات، والمنظمات النسوية، في تحديد الأولويات الصحية وصياغة السياسات العامة، بما يضمن توزيعاً عادلاً للموارد بين الأقاليم المختلفة، واعتماد مقاربة تراعي النوع الاجتماعي وتضع سلامة النساء وحريتهن وكرامتهن في صلب عملية التخطيط والتنفيذ.
إن أزمة النظام الصحي في السودان ليست أزمة نقص في المستشفيات والأدوية فحسب، بل هي انعكاس لبنية أوسع من التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والجندرية التي أعادت إنتاج الإقصاء والتهميش لعقود طويلة.
ولذلك، فإن تحقيق العدالة الصحية لا ينفصل عن النضال من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين، ولا يمكن أن يتحقق دون تفكيك الهياكل الأبوية والمركزية التي جعلت من أجساد النساء وحياتهن ساحةً للوصاية والإقصاء.
إن بناء نظام صحي عادل وشامل يستجيب لاحتياجات النساء ويضمن حقهن في الحياة والكرامة والسلامة الجسدية، ليس مطلباً نسوياً فحسب، بل شرطاً أساسياً لبناء دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، وتضع الإنسان وحقوقه في قلب عملية التنمية وإعادة الإعمار.

زر الذهاب إلى الأعلى