الأعمدة

ماذا بقي لنا يا برهان؟

✍🏻: سلوى سيدأحمد محمد صالح
لم نعد نحتاج إلى نشرة الأخبار لكي نعرف أن بلادنا تنزف. يكفي أن تخرج إلى السوق، أو تقف أمام أي صيدلية، أو تسأل عن قيمة برميل الماء، أو تقف وتشاهد وجوه الناس في الطرقات والأسواق، لتعرف أن السودان لم يعد يعيش أزمة عابرة، بل يعيش انهياراً كاملاً شاملاً في حياة الناس وكرامتهم وأمنهم.
الدولار الأمريكي اليوم تجاوز الخمسة مليون جنيه سوداني.
والريال السعودي بلغ مليونا ومائتين وخمسين ألف جنيه.
الجنيه المصري الواحد وصل إلى مائة ألف جنيه، (وفي رواية أخرى مائة وخمسة جنيهات).
هذه ليست مجرد أرقام في مقال نقرؤها ثم نمضي. هذه سكاكين يومية تقطع أجسادنا. كل تدهور في قيمة الجنيه يعني رغيفاً أقل، ودواءً أبعد، ووجبة ناقصة، وأطفالاً ينامون جوعى، وأماً تخفي دموعها حتى لا يراها أبناؤها.
الغلاء لم يعد يطرق أبوابنا.. الغلاء دخل بيوتنا وجلس في مطابخنا ووقف أمام الصيدليات ونام مع الأطفال على الأرض. أصبح الغلاء ينهش أجسادنا نهشاً. صرنا نحسب ثمن الخبز مرتين وثلاثاً وأربع مرات. وصار العلاج ترفاً. والدواء حلماً. صار الواحد منا يفاوض الصيدلي لأننا لا نملك ثمن الروشتة كاملة.
في كل مسجد تقريباً، بعد كل صلاة، لم يعد غريباً أن ترى خمسة أو ستة أشخاص يقفون أمام المصلين، يطلبون ما يسد رمقهم أو يعالج مريضهم أو يطعم أطفالهم. هؤلاء لم يولدوا متسولين. هؤلاء دفعتهم الحرب والجوع وانهيار الدولة وغياب المسؤولية إلى مد أيديهم أمام الناس.
والله وبالله وتالله .. هذا المشهد وحده يكفي لإسقاط أي حكومة تملك ذرة من حياء.
قوات المشتركة صارت تمارس النهب المسلح في وضح النهار في الخرطوم وبورتسودان، ماذا بقي من هيبة الدولة؟ من يحمي المواطن إذا تحول من يحمل السلاح إلى مصدر خوف ورعب؟ إلى من نشتكي إذا صار الخوف يأتي من الشارع؟ ومن نقاط التفتيش؟ ومن أصحاب المواتر؟
أما الكهرباء فقد أصبحت حلماً بعيد المنال. تغيب أكثر من اثنتين وعشرين ساعة في اليوم. صار أطفالنا يذاكرون دروسهم ويحلون واجباتهم على ضوء الموبايلات. مرضانا يختنقون من شدة الحر. الثلاجات توقفت. المياه هي الأخرى غابت. الحياة كلها توقفت. من يصدق أن برميل الماء من الكارو بلغ خمسة ملايين جنيه؟. الماء الذي لا تقوم الحياة إلا به، صار عبئاً جديداً على شعب أنهكته الحرب والجوع والأمراض.
ثم يخرج علينا البرهان ليحدثنا عن كرامة الدولة وسيادتها. أي دولة يا هذا وحدودنا مستباحة؟ أي سيادة هذه وأجواؤنا مستباحة؟ أي كرامة – يا غافل – والطيران الحربي المصري يدخل حدودنا ويقصف الدهابة السودانيين، ثم لا يصدر من مجلسكم بيان توضيحي واحد يشرح لنا ما حدث؟ أين مجلس الوزراء؟ أين البلابسة واللايفاتية الذين ملأوا الميديا ضجيجاً عن الكرامة وعن البل؟ أين الكيزان أدعياء الوطنية؟ أين شيوخ السلاطين الذين يملأون المساجد صراخاً حين يريدون، ثم يصمتون حين يراق الدم السوداني؟
حتى متى يموت المواطن السوداني في الأسواق وفي المناجم وفي عرض البحار وفي الطرقات وفي المستشفيات ثم لا يجد من يقول كلمة حق؟ حتى متى نُقتل ثم تطلبون منا الصمت؟ حتى متى تُنتهك حدودنا وأجواؤنا وكرامتنا ثم يخرج علينا من يبيعنا خطابات فارغة عن السيادة والكرامة؟
يا برهان، ماذا بقي لنا؟
لقد ضاعت العملة وضاع الأمن وضاع العلاج وضاعت الكهرباء وضاع الماء وضاعت هيبة الدولة وضاعت الحدود وضاعت الأجواء وضاعت وضاعت وضاعت..
وضاع قبل ذلك كله إحساس المواطن بأن هناك حكومة تراه أو تسمعه أو تخاف الله فيه.
لم نعد يا برهان نسأل متى ستنتهي هذه الحرب. سؤالنا الآن أبسط وأقسى: هل بقي لديك شيء تقوله لهذا الشعب؟ هل بقي في يدك ما تنقذ به هذه البلاد؟ هل تستطيع أن تحمي الحدود وتؤمن المدن وتضبط لصوص المشتركة وتحرر نفسك من قبضة النظام البائد وتمنع إهانة السوداني داخل بلده وخارجه؟
إن كنت لا تستطيع فقد آن الأوان لكي ترحل أنت ومجلسك العاجز غير مأسوف عليكم.
لأن هذه البلاد أكبر من أحلامكم، وهذا الشعب أكبر من عنادكم. تسول المواطنين في المساجد ليس مشهداً عادياً. انقطاع الكهرباء والماء ليس ابتلاءً واستباحة الحدود ليست أمراً يمكن السكوت عليه.
آن الأوان يا أيها الفاشل أن تستقيل وتسلم الدولة لمن هو أقدر على إدارتها. آن الأوان أن تترك هذا الشعب الحر يتنفس. آن الأوان أن تكف عن قيادة البلاد إلى مزيد من الانهيار.
تنح أيها الفاشل..
وإلا فسوف ترى ..
والسلام ..
سلوى سيدأحمد محمد صالح
حلفا الجديدة

زر الذهاب إلى الأعلى