
بقلم: حسام الضؤ
في الوقت الذي تواصل فيه أطراف الحرب تعنتها وإغلاقها لكل الطرق المؤدية إلى إيصال المساعدات الإنسانية للشعب السوداني المنكوب، وفي ظل غياب كامل للضمير الإنساني، جاءت الوقفة الاحتجاجية التي نظمها أبناء الشمال لتكشف جانباً من الحقائق التي ظل كثيرون يحاولون إخفاءها.
فالشاحنات التي اعترض المحتجون طريقها لم تكن تحمل مواد إغاثية أو احتياجات ضرورية للمواطنين، بل كانت محملة بالصمغ العربي القادم من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع. كما أن هذه الواقعة أعادت إلى الأذهان التفاهمات والاتفاقات التي جرت بين أطراف الصراع في مناطق إنتاج البترول، الأمر الذي يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة العلاقة الحقيقية بين المتحاربين.
لقد أثبتت الأحداث أن المال والمصالح الاقتصادية يمثلان القاسم المشترك بين هذه القوى المتصارعة. فعندما يتعلق الأمر بالمكاسب المالية، يصبح الاتفاق ممكناً وتتراجع أصوات البنادق، أما عندما يتعلق الأمر بحياة المواطنين ومعاناتهم، فإن الخلافات تختفي ليتوحد الجميع في حرمان الشعب من حقه في الغذاء والدواء والأمن.
ولا يبدو أن هناك أي خلاف بينهم حول الموارد التي تدر الأموال، سواء كانت البترول أو الصمغ العربي أو الذهب أو غيرها من ثروات البلاد. فهذه الموارد توفر العملات الصعبة التي تُستخدم في تمويل الحرب وشراء السلاح والعتاد، بينما يدفع المواطن السوداني وحده ثمن هذا الصراع من دمه وأمنه ومستقبله.
لقد سقطت أقنعة الشعارات التي طالما رُفعت باسم الوطنية والسيادة والكرامة. فالكرامة لا تكون بإذلال الشعب وتجويعه وتشريده، ولا تُصان بقتل الأبرياء وإطالة أمد الحرب، وإنما تتحقق بحفظ حق الإنسان في الحياة والأمن والعيش الكريم.
ومن يتفق على اقتسام الموارد والثروات، بينما يعجز عن الاتفاق على وقف نزيف الدم وإنهاء الحرب، يؤكد عملياً أن هذه المعركة لم تكن من أجل الوطن أو كرامة المواطنين، بل هي في جوهرها صراع على السلطة والثروة. وهي حرب دفعت ثمنها القوى المدنية والمواطنون الذين حلموا بسودان جديد يقوم على الحرية والسلام والعدالة، وهي الشعارات التي رفعتها ثورة ديسمبر المجيدة.
إن ما حدث في شمال الوادي يمثل رسالة سياسية وشعبية بالغة الوضوح. فقد استطاع المواطنون، بإرادتهم، أن يلفتوا الانتباه إلى مسار ظلت تُستنزف عبره موارد السودان لسنوات طويلة، وأن يضعوا القضية أمام الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي، في وقت التزم فيه أصحاب المصالح الصمت أو اكتفوا ببيانات باهتة لا ترقى إلى حجم الكارثة.
لقد كشفت هذه المواقف هشاشة الخطاب الذي تتبناه القوى المستفيدة من استمرار الحرب، وأظهرت حجم التواطؤ الذي تحكمه المصالح والامتيازات الخاصة. فالسودان اليوم يعيش أزمة قيادة حقيقية، في دولة أُنهكت بالحروب وتلطخت أيادي قادتها بدماء أبنائها، بعد أن قُتلوا وهُجّروا وجُوّعوا وحُرموا من أبسط حقوقهم في العدالة والإنصاف.
وأمام هذا الواقع المرير، لا يبقى للشعب السوداني سوى التمسك بالأمل في أن تنتصر الحقيقة يوماً، وأن تتحقق العدالة التي عجزت مؤسسات الأرض عن إنفاذها، لتبقى عدالة السماء هي الملاذ الأخير للمظلومين.



