
بقلم هشام الامين
تخيل معاي زول يصحى الصباح، يلقى نفسو “ميت” في نظر أهلو وحلتو، وبكوا عليهو، وحفروا ليهو القبر، وتلقوا فيهو العزاء ليومين! قصة عمنا عبد العظيم في حي العرب بأمدرمان، ورانا كيف إنو المأساة والمفارقة ممكن يجتمعوا في فجراً واحد.
تعالوا نقلب الهبابة دي ونشوف العبر والدروس الاجتماعية من الموقف الجفل الناس دا بـ لغتنا الدارجية الحنينة:
التشابه اللغز.. “يخلق من الشبه أربعين”
القصة بدت من مستشفى النو، لما جابوا راجل فاقد الوعي وما عنده أي ورق يثبت هويته. من قلة الحيلة، الناس نشروا صورتو في السوشيال ميديا، وهنا حصلت “الشبكة”. واحد من أهل عبد العظيم شاف الصورة وقال: “بري.. ياهو دا عمي ذاتو!”. الأسرة كلها مشت المستشفى، عاينوا للراجل، وبصموا بالعشرة إنو دا عبد العظيم.
المفارقة الغريبة والخلت الناس تظلم، إنو الراجلين (عبد العظيم والرحل إبراهيم) كأنهم فلقة قمر واحدة! الإثنين في الستينات من عمرهم، الإثنين ما عرسوا، والإثنين ما شايلين تلفونات ولا أوراق، وشبه مذهل في الملامح والهيئة خلّى أقرب الأقربين يغلطوا. في زمن الجوطة والجهجهة الحاصلة دي، العيون ذاتها بقت تشوف بالطشاش من كترت الهموم.
“الصدمة والارتباك”.. الميت رجع يا ناس!
بعد ما الراجل توفى في المستشفى، أهلو (الافتراضيين) قاموا بالواجب وزيادة؛ دفعوا المصاريف، بكوا، غسلوه وكفنوه، وشيعوه بـ موكب مهيب لمقابر أحمد شرفي العريقة بأمدرمان، وفتحوا الصيوان والناس كفت ووفت في العزاء.
بعد يومين بس.. يظهر عبد العظيم الحقيقي ماشي برجلينو في نص حي العرب! لك أن تتخيل شكل الجيران والأهل الشافوهو أول زول؛ اليقول دا “شبح” واليصرخ واليجري. تحول المأتم لـ صدمة وذهول، والسؤال الكان قالب الكيان: “إذا كان عبد العظيم حياً.. النحن دفنّاهو وصلينا عليهو دا منو؟”
عم إبراهيم المؤذن.. تدابير ربانية ما فيها مصادفة
هنا الحكاية بتتحول من دهشة لـ دموع خشوع. لما فتشوا وعرفوا إنو المتوفى هو عمنا “إبراهيم السعيد إدريس”، الحزن انتقل لأسرته الحقيقية، لكن ظهرت معاهو كرامة ربانية عجيبة. عم إبراهيم دا طلع راجل بركة، مؤذن لسنوات طويلة في جامع المنطقة، وزول معروف بأعمال الخير واليد البيضاء ومساعدة المحتاجين.
الناس هنا وقفت وقالت: دي ما مصادفة! الراجل الطيب دا، ربنا سخّر ليهو مدينة كاملة بأهلها وجيرانها، يفتكروه قريبوهم، ويقيفوا عليهو في المستشفى، ويغسلوه ويكفنوه ويطلع ليهو تشييع جنازة مهيب ودعوات تسبقو للقبر من ناس ما بيعرفهم، كأنها مكافأة ربانية على وفاءو وأذانو وسيرتو الطيبة في الدنيا. ربنا أراد ليهو ميتة مستورة ومكرمة وسط الزحام.
الخلاصة: الموت والحياة في كف الرحمن
القصة دي بتدي المجتمع درس كبير جداً؛ في زمن الحروب والنزوح واللخبطة العايشنها دي، حبال التواصل بقت رهيفة، والناس بقت تروح من بعضها في ثانية. بتوريك أهمية إنو الواحد دايماً يكون شايل هويته أو حاجة توصفو، لكن فوق دا كلو، بتوريك إنو الآجال دي بيد الله وحده، والسترة حقت الله.
عمنا عبد العظيم كتب الله ليهو عمر جديد، وبقى بطل لأغرب حكاية حيتناقلوها ناس أمدرمان جيل ورا جيل. وعمنا إبراهيم السعيد، لقى جزاء الإحسان إحسان وتشيع ملوك. نسأل الله يرحم عم إبراهيم ويجعل الأذان الشريف شفيع ليهو، ويمد في أيام عمنا عبد العظيم بالصحة والعافية. الدنيا دي ياما فيها من العجائب!



