


أسامة كنينة
بينما تقرأ هذه السطور، هناك نخلة نبتت من عرق أجيال تتحول الآن إلى رماد، وهناك مزارع عجوز يقف واجماً بقلبٍ مكسور على ضفاف النيل، يرى خضرة سنينه تبتلعها النيران في دقائق معدودات. تعيش الولاية الشمالية بالسودان تحت وطأة مفارقة تاريخية بالغة المرارة؛ فهي الولاية الوحيدة تقريباً التي نجت بجغرافيتها من ويلات الحرب الطاحنة التي تضرب أجزاء واسعة من البلاد، وظلت ملاذاً آمناً لمئات الآلاف من النازحين بفضل تحصيناتها الدفاعية والأمنية الصارمة التي منعت الاشتباكات المسلحة من الوصول الي أرضها. لكن، ويا لسخرية القدر، بينما كانت الولاية تحمد الله على نجاة إنسانها من قذائف البشر ورصاصهم، أتاها الخراب والدمار والهلاك من جبهات أخرى لم تنفع معها الخنادق ولا السلاح؛ فجاءتها الهجمات الربانية والبيئية المباغتة لتفتك بالمنطقة من حيث لا تحتسب، وتحول الملاذ الآمن إلى بؤرة للموت والنزيف المستمر. إن الولاية الشمالية اليوم لا تواجه تهديداً عسكرياً، بل تواجه إبادة بيئية شاملة تقتلعها من جذورها التاريخية.
جبهة النيران.. التهام الأخضر قبل اليابس في السواقي والجزر
رغم المسافات الشاسعة التي تفصل بين محليات الولاية الشمالية، إلا أن النيران وحدت المصير والكارثة وحولت جغرافيتها إلى محرقة مفتوحة. لم تعد المعاناة محصورة في بلاد النوبة الحديثة وعاصمتها الإدارية عبري بالسكوت أقصى الشمال، بل وضع الحبل على الجرار ليلتهم جزر الأشراف (جزر لبب وتوابعها) في دنقلا، ويزحف جنوباً ليفجع السواقي والمشاريع الممتدة في مروي، والقرير، وتنقاسي، وكريمة تحت مرأي جبل البركل التاريخي .
إن الخصوصية المرعبة لهذه الكارثة المستمرة حتى هذه اللحظة، هي أنها لا تكتفي بـأكل المخلفات والجريد الجاف، بل تلتهم الأخضر بالذات . فالنار تترصد الأشجار الحية اليانعة؛ فتفتك بنخيل التمور المشهورة، وتجتاح جنائن المانجو، والموالح، والفاكهة وهي في قمة عطائها وخضرتها، وتأتي على المحاصيل البينية التي تشكل القوت اليومي للأسر .
شقى العمر :
الخسائر هنا لا تُقاس بلغة الأرقام وأسعار السوق، بل تُقاس بـ “شقى العمر”. النخلة في وجدان الإنسان الشمالي ليست مجرد استثمار تجاري، بل هي فرد من العائلة، وإرث تاريخي ورثه الأبناء عن الأجداد، وسندٌ يُزرع لتأمين مستقبل الصغار وتعليمهم وسترة حال الكبار . احتراق مئات الآلاف من الأشجار، وتسمم ما تبقى منها، يترتب عليه تبعات إنسانية واجتماعية خطيرة؛ إذ تحول المزارعون فجأة إلى مدانين ومُعسرين ملاحقين قانونياً من قبل البنوك ومؤسسات التمويل، بعد أن عجزوا عن سداد الديون التي استدانوها لشراء التقاوي وتشغيل السواقي المعطلة أصلاً بسبب الانقطاع الحاد للكهرباء وانعدام الماء . هذا الواقع المرير يدفع العائلات والشباب نحو هجرة قسرية ثانية، وإفراغ الجزر والسواقي التاريخية من سكانها ليتركوا أرضهم مرغمين تحت وطأة الحصار البيئي وبحثا عن لقمة العيش .
مثلث الخراب :
هذا الهجوم الناري يتكامل مع “هجمات ربانية” أخرى تضرب بلا هوادة؛ فالولاية أصبحت مرمى للسيول الجارفة المدمرة التي تجتاح القرى وتقتلع المنازل والمزارع، في تداخل مناخي عجيب يجمع بين فيضانات المياه المباغتة وموجات الحرائق اللاهبة. ولم تقتصر الكارثة على الشجر، بل امتدت لتطارد البشر في تفاصيل حياتهم اليومية من خلال الانتشار المخيف للحشرات السامة والأفاعي و”العقارب” التي باتت تحصد أرواح الأطفال والأهالي في قرى الشمال المعزولة، في ظل شلل تام للقطاع الصحي ونقص حاد في الأمصال والخدمات الطبية الأساسية، مما حول البيئة الخضراء الوادعة إلى بيئة طاردة ومهددة للبقاء.
تلوث التعدين والسموم المحرمة دوليا
الزاوية الأكثر رعباً وعمقاً في مأساة الشمال هي التلوث البيئي الكارثي الناجم عن انتشار التعدين العشوائي عن الذهب. فبينما تحمي الولاية حدودها من المظاهر العسكرية، يتمدد في أحشائها خراب كيميائي صامت عبر استخدام مواد محرمة دولياً مثل الزئبق والسيانيد. إن “الكرتة” ومخلفات التعدين السامة باتت تحاصر القرى والمجاري المائية، وتسربت هذه السموم إلى المياه الجوفية لتشرب منها الأرض ويمتصها النخيل والشجر الأخضر قبل أن تحرقه النيران. هذا التلوث الشامل للهواء والتربة والمياه يهدد بحدوث طفرات جينية وأمراض سرطانية وفشل كلوي بين السكان، ليصبح الموت في الشمال موتاً مؤجلاً بالسموم الكيماوية إن لم يكن سريعاً بالنيران والسيول.
إن ما يحدث في الولاية الشمالية اليوم هو تدمير ممنهج وصامت لآخر قلاع الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في السودان، وترك مجتمعاتها تواجه هذا الثالوث المرعب بمفردها هو تواطؤ في محو هُوية حضارية ممتدة لآلاف السنين. إن السلاح الذي لم يدخل الشمال جهاراً، دخل عبر سموم التعدين المحرمة وعبر النيران التي تقتات على “شقى العمر” أمام عجز هيكلي تام؛ فالمضخات معطلة لغياب الكهرباء، والجزر معزولة عن مطافئ الدفاع المدني البدائية . لم يعد هناك متسع من الوقت لبيانات المواساة أو الإحصائيات الباردة؛ فالأمر يتطلب إعلان الشمال “منطقة كوارث بيئية وإنسانية” عاجلة، والتحرك الفوري لوقف العبث الكيماوي، وتوفير منظومات طاقة شمسية بديلة للري، وإدخال آليات إطفاء نهرية متخصصة. إن لم يستيقظ الضمير الجمعي والمؤسسي لإنقاذ “الأخضر” الآن، فلن نجد غداً في شمال السودان سوى أرض محروقة، ونهر مسموم، وتاريخ قد تحول بالكامل إلى رماد.
——————————
kaneenaosama@gmail.com



