
بقلم: مجتبى ميرغني
حين يرسل الآباء والأمهات بناتهم إلى الجامعات والمعاهد العليا، فإنهم لا يرسلونهن بحثاً عن حياة جديدة أو علاقات عابرة، بل يرسلونهن وقلوبهم معلقة بأحلام كبيرة؛ أحلام التخرج والنجاح وبناء المستقبل. يودع الأب ابنته وهو يتخيل يوم عودتها حاملة شهادتها الجامعية، وتنتظر الأم بفارغ الصبر لحظة حصاد سنوات التعب والتضحيات.
لكن الواقع يكشف أحياناً عن ظواهر مقلقة بدأت تتسلل إلى بعض الداخليات والسكنات الخاصة والمشتركة، وتستوجب وقفة جادة من المجتمع بأكمله.
ففي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه هذه السكنات بيئة آمنة للعلم والتحصيل الأكاديمي، تظهر ممارسات بعيدة عن الأهداف التي جاءت من أجلها الطالبات. ومن بين هذه الظواهر انتشار تعاطي السجائر وسط بعض الفتيات، في مشهد لم يكن مألوفاً في المجتمع السوداني، ويحمل دلالات تتجاوز مجرد عادة سيئة إلى مؤشرات على فراغ نفسي واجتماعي وضعف في التوجيه والمتابعة.
الأكثر إثارة للقلق أن بعض الطالبات اعتدن الخروج في أوقات محددة والتجول في الشوارع والأماكن العامة، بل والركوب مع أشخاص لا تربطهن بهم أي معرفة مسبقة، استجابة لدعوات إلى مطاعم أو مقاهٍ أو أماكن ترفيهية. وهنا يبرز السؤال المشروع: ما الذي يدفع طالبة جاءت من أجل التعليم إلى وضع نفسها في مواقف محفوفة بالمخاطر مع أشخاص مجهولين؟
القضية ليست في تناول وجبة طعام أو زيارة مقهى، وإنما في غياب الوعي بالمخاطر المحتملة والاستسهال في بناء علاقات عابرة قد تنتهي بنتائج مؤلمة على المستوى الاجتماعي أو النفسي أو الأمني. فالمجتمع مليء بالنماذج التي بدأت بخطوات صغيرة ثم انتهت بمشكلات كبيرة يصعب احتواؤها.
إن الخطر الأكبر الآن يكمن في استئجار مساكن وشقق خاصة بشراكة عدد من الطالبات بعيداً عن أي إشراف مباشر أو إدارة منظمة للسكن، الأمر الذي يمنح قاطنات هذه الشقق حرية كاملة في الخروج والعودة دون ضوابط أو متابعة. ولا تقتصر هذه الظاهرة على الطالبات وحدهن، بل تشمل كذلك بعض مساكن الطلاب، مما يستوجب تفعيل الرقابة على عمليات تأجير المنازل والشقق داخل الأحياء السكنية، وإشراك لجان الأحياء والجهات المختصة في متابعة أوضاع المستأجرين، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بالضوابط المجتمعية والقانونية التي تحفظ أمن الأحياء واستقرارها.
ومن الخطأ أن ننظر إلى هذه الظواهر باعتبارها مسؤولية الطالبات وحدهن. فهناك مسؤولية تقع على عاتق الأسر التي ينبغي أن تحافظ على التواصل المستمر مع بناتها، ومسؤولية على إدارات السكنات الخاصة التي يجب أن توفر الإشراف والتوجيه، ومسؤولية على الجامعات والمؤسسات التعليمية في تقديم برامج التوعية والإرشاد النفسي والاجتماعي.
كما أن توفير الأنشطة الثقافية والرياضية والتطوعية يمثل أحد أهم الحلول لمواجهة الفراغ الذي تستغله السلوكيات السالبة. فالشباب حين يجدون البيئة الإيجابية والقدوة الحسنة والبرامج الجاذبة، يكونون أكثر قدرة على حماية أنفسهم من الانزلاق إلى ممارسات قد تضر بمستقبلهم.
ولا تقل أهمية الرقابة المجتمعية عن أهمية التوعية؛ فالمطلوب ليس التضييق على الطلاب والطالبات، وإنما توفير بيئة آمنة ومتوازنة تساعدهم على تحقيق أهدافهم التعليمية بعيداً عن المؤثرات السلبية والمخاطر التي قد تعترض طريقهم.
إن بناتنا أمانة في أعناقنا جميعاً، وحمايتهن ليست مهمة الأسرة وحدها، بل مسؤولية مجتمع كامل. فالجامعات لم تُنشأ لإضاعة الأحلام، والداخليات لم تُبنَ لتكون بوابات للمخاطر، بل لتكون جسوراً تعبر عليها الطالبات نحو مستقبل مشرق.
ويبقى السؤال: هل نتحرك لمعالجة هذه الظواهر عبر التوعية والرقابة والدعم النفسي والاجتماعي قبل أن تتسع رقعتها، أم ننتظر حتى تتحول بعض الحالات الفردية إلى مشكلة مجتمعية يصعب احتواؤها ومعالجة آثارها؟



