
نزار عثمان السمندل
تكشف السياسة، أحياناً، معدن السلطة أكثر مما تكشفه الحروب. لحظة سقوط الدم هي اللحظة التي يُعرف فيها إن كانت الدولة تنظر إلى مواطنيها باعتبارهم قيمة تستحق الحماية، أم عبئاً يفرض عليها تقديم التبريرات للآخرين.
عليه، بدا الجدل الذي أعقب مقتل وإصابة عشرات المعدّنين السودانيين قرب الحدود المصرية؛ أقرب إلى انقلاب في ترتيب الأسئلة نفسها. سؤال القتلة تراجع إلى الخلف. سؤال الضحايا تقدم إلى الواجهة. ومن البحث عن الجهة التي أطلقت النار، انتقل النقاش سريعاً إلى البحث عن سبب وجود الضحايا في المكان الذي سقطوا فيه.
بهذا الشكل، استقبل كثير من السودانيين تصريحات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بشأن الحادثة التي ما زالت تفاصيلها غارقة في الضباب بعد مرور أسبوع كامل على وقوعها. فبينما تنتظر عائلات الضحايا رواية رسمية تجيب عن أسئلة المكان والزمان والمسؤولية، بدت كلمات البرهان أقرب إلى تثبيت الانتباه عند حركة المعدّنين عبر الحدود، أكثر من انشغالها بالسلاح الذي حصد أرواحهم. من قتلهم؟
خلف الحادثة يقف نزاع أعمق من مجرد خلاف حول بضعة كيلومترات من الصحراء بين شطري الوادي.
هناك أسئلة تتعلق بسيادة الأرض، وحدود القوة، وواجب الدولة تجاه مواطنيها حين يتحولون إلى ضحايا في منطقة متنازع عليها بين الروايات.
الرواية المصرية تتحدث عن عملية أمنية واسعة استهدفت أنشطة غير مشروعة داخل أراضيها، بينما يروي ناجون سودانيون قصة مختلفة تماماً، تتحدث عن غارات جوية استهدفت منطقة جبل العقيدات الواقعة داخل الأراضي السودانية، وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.
بين الروايتين تتسع مساحة الصمت الرسمي السوداني، ومساحة التضليل أيضاً. فلا تحقيق مكتمل أُعلن للرأي العام، ولا رواية رسمية متماسكة أُنجزت، ولا إجابات حاسمة حول ما إذا كانت الطائرات قد عبرت الحدود فعلاً، أو ما إذا كان مواطنون سودانيون قد قُتلوا داخل أرض يفترض أن الدولة مسؤولة عن حمايتها.
هنا تبدأ القضية الحقيقية. فالأمر لم يعد متعلقاً بالتعدين التقليدي أو بمخالفة حدودية جسيمة. الأمر يرتبط بمعنى الدولة نفسها. فكل دولة تُختبر مرتين: مرة عند الدفاع عن حدودها، ومرة عند الدفاع عن مواطنيها. وعندما يختلط الامتحانان معاً، تصبح الحقيقة واجباً وطنياً قبل أن تكون مجرد تفصيل إجرائي أو قانوني.
ما لفت الانتباه في تصريحات البرهان ليس مجرد حديثه عن تجاوز الحدود. كثير من الدول تحذر مواطنيها من الاقتراب من المناطق الحدودية. لكن الجدل انفجر لأن كلماته جاءت بينما كانت الأسئلة الكبرى تمضي في اتجاه مختلف تماماً. الرأي العام السوداني لم يكن يسأل أين كان المعدّنون فحسب، وإنما كان يسأل أيضاً: أين كانت الدولة؟
الفارق بين السؤالين كبير.
الأول يضع المواطن في قفص الاتهام.
الثاني يضع السلطة تحت مجهر المسؤولية.
لهذا شعر كثيرون أن الرواية الرسمية تتحرك في الاتجاه نفسه الذي اختارته القاهرة منذ الساعات الأولى للواقعة. فبدلاً من الانطلاق من فرضية تعرّض مواطنين سودانيين لاعتداء محتمل يستوجب التحقيق والاحتجاج والمساءلة، جرى التعامل مع القضية من زاوية أخرى تجعل حركة الضحايا نفسها محور النقاش.
مع مرور الأيام، بدأت المسافة تتسع بين الدم المسفوك في الصحراء؛ وبين اللغة السياسية التي تتعامل معه. فالحوادث الحدودية تحدث، تنتهي عادة في ملفات الدبلوماسية، أما تلك التي تترك شعباً كاملاً يتساءل عن قيمة حياته في نظر دولته، فتمضي أبعد من الحدود بكثير. وهنا بالذات، عند المسافة الفاصلة بين الحقيقة والتضليل، يتحدد المعنى الحقيقي للسيادة، ويتحدد أيضاً وزن الإنسان في حسابات السلطة.
في المحصلة، لطالما ردّد السودانيون خلف إرثهم الإنساني: «بوصيكم على الفايت الحدود واسو»، في إشارة إلى عدم التسامح مع المعتدي ولا إلى تبرير تجاوزه. وصية أخلاقية واجتماعية بالوقوف في وجه من يتعدى حدوده ويظلم الآخرين، ونصرة من وقع عليه الأذى، حتى تعود الأمور إلى نصابها.
غير أن المفارقة السياسية تجسدت اليوم في كلمات البرهان، الذي يمثّل أرفع مستويات السلطة السودانية (شئنا أم أبينا)، التي أعاد فيها صياغة تلك الوصية بنكهة أمنية مغايرة تماماً. فبينما كانت الأنظار تتجه نحو الجهة التي تجاوزت الحدود وأطلقت النار، انصرف الخطاب الرسمي إلى مساءلة الضحايا عن وجودهم في المنطقة الحدودية.
بدلاً من الوقوف على أشلاء ومصير مواطنيه، بدا وكأنه يبرر للطرف الآخر ضرباته، موجّهاً لومه للضحايا ومطالباً إياهم بالالتزام بالحدود.
مشهد تحولت فيه «المواساة» من نصرة للرعية، إلى تبرير للأجنبي وتفويض ضمني له بمعاقبة من يتخطى الخطوط.



