الأعمدة

في اليوم العالمي للمرأة: حين يتحوّل الاحتفاء إلى مرثية

اغتيال هانم إبراهيم رقيق بين ذاكرة النضال النسوي وجريمة الدولة

خالد كودي، بوسطن
اغتيال هانم إبراهيم رقيق بين ذاكرة النضال النسوي وجريمة الدولة
في كل عام يحلّ الثامن من مارس بوصفه مناسبة عالمية للاحتفاء بتاريخ نضال النساء من أجل الحرية والمساواة، وتذكير المجتمعات بأن العدالة الجندرية ليست ترفًا أخلاقيًا بل أحد شروط بناء مجتمع حديث وعادل. غير أن هذا اليوم، في سياقات الحروب والأنظمة السلطوية، يتحول أحيانًا إلى مرآة قاسية تكشف التناقض بين الخطاب العالمي عن حقوق المرأة وبين الواقع المأساوي الذي تعيشه النساء في المناطق المهمشة.
في السودان جاء اليوم العالمي للمرأة لعام 2026 مثقلاً بالدم. ففي مساء 8 مارس 2026 استهدفت غارة جوية بطائرات مسيّرة سوق مندري في مدينة جلد بمقاطعة الدلنج في جبال النوبة، ما أسفر – وفق الحصيلة الأولية – عن مقتل 17 مدنيًا من النساء والأطفال والمسنين، بينهم الأستاذة هانم إبراهيم رقيق، محافظ مقاطعة الدلنج، وطفلها، إضافة إلى زوجة محافظ هبيلا وعدد من أطفالها، وإصابة ثمانية آخرين.
تكمن المفارقة المأساوية في أن قتل النساء وقع في اليوم الذي يفترض أن يحتفي بنضالهن وحقوقهن. وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والتاريخي: ما معنى الاحتفاء العالمي بالمرأة بينما تُقصف النساء في الأسواق والقرى، وتُغتال القيادات النسوية في مناطق الهامش بلا مساءلة أو تضامن حقيقي؟

لم ينشأ اليوم العالمي للمرأة كمناسبة احتفالية، بل كنتاج مباشر لنضالات اجتماعية خاضتها النساء العاملات في أوروبا والولايات المتحدة في مطلع القرن العشرين دفاعًا عن حقوق العمل والأجر العادل والتمثيل السياسي. ففي عام 1908 خرجت عاملات مصانع النسيج في نيويورك احتجاجًا على ظروف العمل القاسية، وفي عام 1910 اقترحت المناضلة الألمانية كلارا زيتكين في مؤتمر النساء الاشتراكيات بكوبنهاغن تخصيص يوم عالمي لنضال النساء، ليبدأ الاحتفاء به منذ 1911. أما اللحظة الأكثر رمزية فجاءت في 8 مارس 1917 حين خرجت العاملات في روسيا احتجاجًا على الحرب والجوع، وهو الحراك الذي أسهم في إشعال الثورة الروسية ومنح النساء لاحقًا حق التصويت. ومنذ عام 1975 اعتمدت الأمم المتحدة هذا اليوم رسميًا ليصبح منصة عالمية للدفاع عن المساواة والعدالة.
غير أن المعنى العميق لهذا اليوم لا يُقاس بطقوس الاحتفاء، بل بقدرته على تسليط الضوء على نضالات النساء في المجتمعات، وخاصة التي ما زالت تعيش تحت وطأة التهميش والعنف البنيوي. ففي السودان، تمثل المرأة في مناطق الهامش، في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور والشرق – امتدادًا حيًا لذلك التاريخ النضالي. فهي تخوض معركة مزدوجة: ضد التمييز الجندري من جهة، وضد التهميش الاقتصادي والعنف العسكري والإقصاء السياسي من جهة أخرى. ولذلك فإن استحضار سيرة قيادات نسوية مثل هانم إبراهيم رقيق يضع هذا اليوم في سياقه الحقيقي؛ إذ يكشف أن نضال النساء في الهامش ليس مجرد مطلب حقوقي، بل معركة يومية من أجل الكرامة الإنسانية والبقاء.
وعلى مدى قرن من الزمن، حققت الحركة النسوية عالميًا تحولات مهمة، من أبرزها حصول النساء على الحقوق السياسية، وسنّ قوانين تحظر التمييز في العمل والتعليم، والاعتراف بالعنف ضد المرأة كقضية من قضايا حقوق الإنسان، إضافة إلى توسع مشاركة النساء في القيادة السياسية والاقتصادية والأكاديمية. غير أن هذه المكاسب لم تتحقق بصورة متساوية؛ ففي مناطق الهامش، حيث تتقاطع الحرب مع الفقر والتهميش التاريخي، لا تزال النساء أول ضحايا العنف وآخر من ينال العدالة.
في هذا السياق لعبت النساء في جبال النوبة والنيل الأزرق دورًا محوريًا في حماية المجتمعات المحلية والحفاظ على تماسكها الاجتماعي رغم عقود الحرب. فقد حملن عبء الحياة اليومية في الزراعة والإغاثة والتعليم الأهلي، وأسهمن في نشر الوعي وتعزيز المشاركة المجتمعية. ومن بين هذه القيادات برزت هانم إبراهيم رقيق بوصفها نموذجًا للمرأة المناضلة التي كرّست حياتها لخدمة مجتمعها وتمكين نسائه. ولذلك فإن اغتيالها لا يمثل مجرد خسارة شخصية، بل ضربة موجعة لمشروع العدالة الاجتماعية في تلك المناطق، وفي السودان- (ولن يمر دون حساب).
إن التاريخ العالمي للحركات التحررية يؤكد أن النساء لم يكنّ مجرد ضحايا للحروب، بل كثيرًا ما كنّ في قلب القيادة والنضال. فمن روزا لوكسمبورغ في أوروبا وانغاري ماثاي في كينيا إلى إلين جونسون سيرليف في ليبيريا، أسهمت النساء في إعادة تشكيل السياسة والمجتمع. لكن هذا الدور جعل العديد منهن هدفًا للعنف السياسي؛ فقد اغتيلت روزا لوكسمبورغ عام 1919، والناشطة البيئية بيرتا كاسيريس في هندوراس عام 2016، والسياسية البرازيلية ماريل فرانكو عام 2018. ويكشف هذا التاريخ حقيقة قاسية: كلما اقتربت النساء من مواقع التأثير في مجتمعات غير ديمقراطية، أصبحت حياتهن أكثر عرضة للخطر — وهي الحقيقة نفسها التي تتجلى اليوم في مأساة اغتيال هانم إبراهيم رقيق في جبال النوبة.
هانم إبراهيم رقيق أكثر من مجرد حادثة حرب. فقد كانت قيادة مدنية تعمل في خدمة مجتمعها في منطقة تعاني من التهميش والحروب. إن قتلها مع طفلها في غارة جوية استهدفت سوقًا شعبيًا يندرج، وفق القانون الدولي الإنساني، ضمن استهداف المدنيين، وهو ما يشكل جريمة حرب وفق اتفاقيات جنيف.
وما يزيد من فداحة الجريمة هو السياق السياسي الذي أحاط بها. فالهجوم نفذته قوات سلطة الأمر الواقع في بورتسودان المدعومة بمليشيات الإسلاميين، ما يجعل المسؤولية السياسية تقع على النظام القائم بقيادة عبد الفتاح البرهان وحكومته. إن قصف الأسواق والقرى لا يمثل حادثًا عرضيًا في الحروب الحديثة، بل هو جزءًا من سياسة ترهيب المجتمع المدني في الأراضي المحررة.

أحد اهم جوانب المأساة لا تكمن في الجريمة نفسها فحسب، بل في الصمت السوداني الذي أحاط بها. فكثير من المنظمات النسوية ومنظمات المجتمع المدني السودانية ترفع صوتها حين تقع الانتهاكات في سياقات بعينها، غالبًا تلك التي تخدم سردياتها السياسية والإعلامية، لكنها تصمت عندما يتعلق الأمر بمناطق الهامش التي ظلت تاريخيًا خارج دائرة الاهتمام، وحين يقع العنف على رموز نضال تلك المجتمعات، مثل المناضلة هانم إبراهيم رقيق.
هذا الصمت يطرح سؤالًا أخلاقيًا جوهريًا: لماذا أصبحت قضية حقوق المرأة في السودان نفسها خاضعة لانتقائية سياسية وجغرافية؟ فالنسوية، في معناها الحقيقي، ليست شعارًا أو خطابًا احتفاليًا، بل موقف أخلاقي مبدئي ضد كل أشكال العنف والتمييز أينما وقعا. وكانت هانم إبراهيم رقيق تجسيدًا حيًا لهذا المعنى؛ قيادة نسوية خرجت من قلب مجتمع مهمش وكرّست حياتها لخدمته وتمكين نسائه. ومع ذلك، عند رحيلها لم تُكتب المذكرات، ولم ترتفع أصوات الإدانة، ولا حتى كلمات التعازي

اليوم العالمي للمرأة: ما الذي يجب أن يكون؟
إذا كان لهذا اليوم معنى حقيقي، فيجب أن يتحول من مناسبة احتفالية إلى منصة للمساءلة الأخلاقية والسياسية. وهذا يقتضي:
١/ إدانة الجرائم ضد النساء في مناطق الحرب دون انتقائية
٢/ العمل علي محاسبة الأنظمة التي تستهدف المدنيين
٣/ إعطاء صوت لنساء الهامش اللواتي يجري تهميشهن في الخطاب العام، والتوقف عن مصادرة أصواتهن وتحوير سردياتهن.
٤/ ربط قضية حقوق المرأة بقضايا العدالة التاريخية والاجتماعية والسلام. فلا يمكن الحديث عن حرية المرأة في مجتمع تعيش نساؤه تحت القصف، ويُصادر فيه صوت الهامش وسرديته من قبل النخب.

في الختام: من الذاكرة إلى الكرامة والعدالة
إن مقتل هانم إبراهيم رقيق في اليوم العالمي للمرأة يذكّرنا بأن تاريخ النضال النسوي لم يُكتب في المؤتمرات والبيانات وحدها، بل كُتب في الشوارع والحقول ومناطق الحرب، حيث حملت النساء عبء مجتمعاتهن في مواجهة الظلم. فالنساء اللواتي دفعن حياتهن ثمنًا للنضال – من روزا لوكسمبورغ إلى بيرتا كاسيريس – لم يكنّ ضحايا ضعف، بل شهيدات قوة أخلاقية واجهت بنية الظلم.
وفي هذا المعنى، فإن دم هانم إبراهيم رقيق ليس مجرد مأساة فردية، بل علامة في تاريخ مقاومة النساء للقهر، وتذكير بأن الكرامة لا تُمنح من السلطة بل تُصان بالنضال والصمود.
إن المعنى الحقيقي لهذا اليوم لا يتحقق بالاحتفاء الرمزي، بل بتحويل الذاكرة إلى موقف، والحزن إلى التزام: الدفاع عن حياة النساء في الأسواق والقرى ومناطق الحرب، ورفض استهداف القيادات النسوية التي تخدم مجتمعاتها، ومقاومة الصمت الذي يحوّل الجريمة إلى خبر عابر.
فالعدالة لا تُقاس بعدد البيانات، بل بمدى الاعتراف بكرامة كل إنسان. ولن يكون اليوم العالمي للمرأة يومًا للعدالة حقًا إلا حين تصبح حياة النساء في الهامش مساوية في القيمة لحياة كل النساء في السودان؛ عندها فقط يتحول هذا اليوم من ذكرى إلى وعد حقيقي بالكرامة والحرية.
النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

زر الذهاب إلى الأعلى