
يشهد السودان تدهوراً حاداً في الاقتصاد الكلي يتسم بالانخفاض المستمر في قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم، والاضطرابات واسعة النطاق في خطوط الإمداد، والوصول إلى الوقود، وواردات الأغذية، ما تسبب في زيادة الأسعار وتفاقم انعدام الأمن الغذائي.
ووفقاً لعدة تقارير صادرة عن منظمات أممية ودولية، اطلعت عليها “صحيح السودان”، يواجه نحو 19.5 مليون شخص، أي قرابة نصف السكان بنسبة تبلغ “41%”، انعدام الأمن الغذائي الحاد وفقاً لآخر تصنيف صادر في شهر مايو الماضي، منهم نحو 135 ألف مواطن يُصنفون بأنهم في المرحلة الأخيرة من مراحل انعدام الأمن الغذائي، ونحو 4 ملايين مواطن في المرحلة قبل الأخيرة.
ولم يتم تمويل خطة الاستجابة والاحتياجات الإنسانية الأممية للعام الجاري إلا بنسبة 19% فقط، الأمر الذي يضع قيوداً على الدعم المالي المقدم للخدمات الأساسية.
ضعف التمويل
بدوره، قال صندوق الأمم المتحدة للسكان “UNFPA” إن برامج الحماية تم تمويلها بنسبة تقارب 20%، والخدمات الصحية بنسبة تقارب 14% من احتياجات العام الجاري، وهو مؤشر للمزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي.
ووفقاً للصندوق الأممي، تقوض القيود الرقمية والتشغيلية النشاط الاقتصادي بشكل أكبر؛ إذ كشفت الاضطرابات التي لحقت بالتطبيقات المصرفية في فترة عيد الأضحى الماضي عن هشاشة البنية التحتية الرقمية المركزية، كما أدى انقطاع الإنترنت المتكرر والمتزامن مع ساعات الذروة الاقتصادية إلى شلل المعاملات التجارية والأسواق.
ولا تزال قدرة قطاع الاتصالات متدهورة ومجزأة بشكل كبير، إذ تعمل الشركات الكبرى بقدرة مخفضة، في حين تفتقر أجزاء واسعة من غرب السودان إلى الخدمة، فضلاً عن أن القيود المفروضة على الأقمار الاصطناعية تحد من الخيارات البديلة، وهي عوامل تعيق التجارة والعمليات الإنسانية.
وتتزايد ضغوط الأجور في القطاع العام ومخاطر الاستقرار الاجتماعي، وهو ما يتضح من إضرابات المعلمين في الخرطوم وولايات أخرى نتيجة لتأخر الرواتب، والمتأخرات غير المدفوعة، والتضخم المرتفع.
أثر النزاع على الاقتصاد
وتسببت الحرب في عرقلة طرق التجارة الرئيسية عمداً، وأدت إلى إغلاق متقطع للحدود، مما عطل الإمدادات التجارية إلى السودان، ومنع الأسواق من العمل بشكل صحيح، وخلق نقصاً واسع النطاق وارتفاعاً في الأسعار.
كما أن خطوط المواجهة المتغيرة، ونقاط التفتيش، والضربات بطائرات الدرون “المسيرة”، وحصار المدن تمنع حركة الطرق وتحد من وصول المساعدات الإنسانية والتجارية على حد سواء، في حين يؤدي الانخفاض المستمر في قيمة العملة، وارتفاع التضخم، وتدهور معدلات التبادل التجاري إلى تفاقم خلل وظائف السوق.
وأدى تفاقم نقص الوقود في مدينة نيالا مطلع الشهر الجاري إلى ارتفاع أسعار النقل، والمياه، والمواد الغذائية، ما أجبر الشركات المعتمدة على الوقود على تقليص أعمالها أو التوقف، حيث أشار التجار إلى تراجع الإمدادات عبر سوق “النعام” الحدودي مع جنوب السودان، إلى جانب تأثير الأمطار الموسمية التي تعيق حركة الشاحنات.
وشهدت بعض أسعار السلع الضرورية ارتفاعاً كبيراً ومتزايداً، حيث بلغ سعر برميل مياه الشرب 10 آلاف جنيه سوداني، وارتفعت أجور النقل داخل المدينة للمواطنين من ألف جنيه إلى ألف وخمسمائة جنيه.
فيما ارتفع سعر برميل البنزين في المدينة إلى 2.25 مليون جنيه، والجازولين إلى 2.35 مليون جنيه “بعد أن كان نحو 1.8 مليون سابقاً”.
وتسببت الأضرار التي لحقت ببنية خطوط الأنابيب التحتية وانعدام الأمن في تعطيل صادرات النفط عبر ميناء بورتسودان وتعقيد حركة النفط الخام لجنوب السودان، ما أدى إلى تغيير تدفقات وعائدات تجارة النفط الإقليمية.
كما أدت صدمات خطوط الإمداد العالمية المرتبطة بنزاع الشرق الأوسط للعام الجاري، والعقوبات ذات الصلة، إلى تقليص قدرات الشحن الجوي والبحري ورفع تكاليف النقل، ما فرض مزيداً من القيود على الواردات التجارية وطرق الإمداد الإنساني إلى السودان.
وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى تأخيرات شديدة في السلع الطبية؛ حيث يمكن أن تصل فترات العبور عبر الحدود إلى مناطق دارفور النائية إلى 90 يوماً، في حين أدى انهيار الإنتاج الدوائي المحلي إلى زيادة عمليات التهريب وتداول الأدوية الفاسدة في الأسواق المحلية.
استقرار العملة والأنظمة المصرفية
قبل تصاعد النزاع، كانت هناك تقديرات تشير إلى أن 95% من الكتلة النقدية في السودان تُحتفظ خارج النظام المصرفي الرسمي، ما جعل أدوات البنك المركزي غير فعالة إلى حد كبير من الناحية العملية.
وكان القطاع المصرفي قبل الحرب يحتفظ بإجمالي أصول تبلغ نحو 7 مليارات دولار أمريكي (حوالي 26% من الناتج المحلي الإجمالي)، وإجمالي رأس مال واحتياطيات يبلغ نحو 420 مليون دولار أمريكي، بمتوسط رأس مال يقارب 11 مليون دولار أمريكي لكل بنك من أصل 37 بنكاً.
وتضع التقديرات المحلية حجم الاقتصاد الموازي بنسبة تتجاوز 85% من إجمالي النشاط الاقتصادي، وفي العام الجاري برز انقسام نقدي مع تشكل كتلة نقدية موازية تعمل في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
ونتيجة لذلك، أصبحت الأدوات النقدية القياسية مثل أسعار الفائدة، ونسب الاحتياطي، وعمليات السوق المفتوحة تعمل “في فراغ”، ما يقوض فعالية السياسة النقدية وثقة الجمهور في البنوك.
وكانت الخسائر والاضطرابات الناجمة عن الحرب شديدة؛ إذ تعرض أكثر من 100 فرع بنكي للنهب أو التدمير، وتشير التقديرات إلى نهب أكثر من 38% من النقد من بنوك الخرطوم، ما ساهم في انهيار السيولة وانخفاض الجنيه بنسبة تتجاوز 50% في أشهر الحرب الأولى.
كما أدى انخفاض قيمة العملة الناجم عن النزاع وارتفاع التضخم في العام الجاري إلى تآكل معدلات التبادل التجاري والقدرة الشرائية للأسر.
وتعمل القنوات المالية غير الرسمية، بما في ذلك “الحوالة” وإنتاج الذهب غير الرسمي واسع النطاق الذي كان يقدر بنحو 80-100 طناً سنوياً قبل الحرب، على تمويل الجهات المسلحة وتجاوز القطاع المصرفي، مما يعزز الاقتصاد الموازي ويضعف سيطرة الدولة على وظائف العملة والأنشطة المصرفية.
ولا يزال الشمول المالي منخفضاً للغاية، حيث يقل عن 15% من البالغين، ما يحد من القدرة على الوصول إلى المدخرات الرسمية، والائتمان، ومدفوعات الأجور.
وتدعو توصيات السياسات في التحليلات الأخيرة إلى إعادة هيكلة عاجلة للقطاع المصرفي مثل “زيادة رأس المال وعمليات الاندماج”، وتعزيز استقلالية البنك المركزي، وفرض ضوابط أكثر صرامة على تجارة الذهب والجمارك كشروط مسبقة لاستعادة الاستقرار النقدي.
العمالة والتشغيل
ووفقاً لصندوق الأمم المتحدة للسكان “UNFPA”، أدت الحرب المستمرة لأكثر من ثلاث سنوات إلى تعطيل سبل العيش بشكل حاد في جميع أنحاء السودان، وأدت إلى نزوح أكثر من 8.9 مليون شخص داخلياً، الأمر الذي قوض مصادر العمل والدخل.
كما أدى النزاع المطول إلى انكماش الأسواق الرسمية مع زيادة الاعتماد على التجارة غير الرسمية، والشبكات الاجتماعية، وأنشطة اقتصاد الحرب، بما في ذلك السيطرة على الموارد الطبيعية مثل الذهب، وهي أنشطة تمول الأطراف المسلحة وتدعم سبل عيش غير رسمية أو غير مستقرة بدلاً من الوظائف الرسمية المستقرة.
وأظهرت آراء وملاحظات المجتمع التي جمعتها منظمة اليونيسف “UNICEF” خلال العام الجاري تكرار الإشارة إلى البطالة، خاصة بين الشباب والنساء، والمظالم العمالية مثل ظروف العمل السيئة، وغياب موظفي الصحة والأدوية، ومشكلات إدارة الشراكات، كشواغل رئيسية تؤثر على سبل العيش.
ضغوط على النساء
وتتحمل النساء عبئاً معيشياً غير متناسب؛ إذ إن المجموعات الكبيرة من اللاجئين والعائدين تتكون في الغالب من الإناث، وتفيد التقارير بأن نسبة الإناث تبلغ 75-90% من اللاجئين والعائدين السودانيين في أجزاء من تشاد.
وتستمر فجوات التمويل في الخدمات التي يعتمدن عليها، حيث طلب صندوق الأمم المتحدة للسكان 129.2 مليون دولار لدعم تلك الشرائح، تم تأمين حوالي 29% منها فقط، وكل ذلك يؤثر على المشاركة الاقتصادية للمرأة وحمايتها في سوق العمل.
كما تسبب النقص الحاد في الوقود في أوائل يونيو الجاري في تعطيل الأعمال والخدمات في نيالا، ما أجبر المؤسسات المعتمدة على الوقود على تقليص حجم أعمالها وأدى إلى تراجع فرص العمل مدفوعة الأجر.
فضلاً عن ذلك، فإن قطاع الاتصالات المجزأ وانقطاع الاتصال المتكرر يفرضان قيوداً إضافية على النشاط الاقتصادي، والوصول إلى الأسواق، وفرص الكسب غير الرسمي في معظم أنحاء البلاد.



