ماذا لو خسرت مصر السودان وشعبه؟
قراءة في الكلفة الاستراتيجية لفقدان الشريان الاقتصادي السوداني

محجوب ابراهيم الخليفة
▪️لا تُقاس العلاقات بين الدول بالشعارات وحدها، وإنما بما تصنعه المصالح المشتركة من توازنات اقتصادية واستراتيجية. وإذا كان السودان يمثل بالنسبة إلى مصر عمقًا جغرافيًا وتاريخيًا، فإنه يمثل كذلك أحد أهم مصادر الإمداد بالمواد الخام التي تعتمد عليها قطاعات صناعية مصرية عديدة، وهو ما كشفته تصريحات رسمية مصرية بصورة مباشرة.
▪️فقد أقر وزير الصناعة المصري بأن استمرار إغلاق معبر أشكيت وترس الشمال ومنع وصول المواد الخام السودانية إلى المصانع المصرية سيكلف مصر كثيرًا، لأن المصانع المصرية ترتبط بعقود والتزامات تصديرية مع دول أخرى، بينما تعتمد منتجاتها في الأساس على مواد أولية قادمة من السودان.
وهذا التصريح يحمل دلالات اقتصادية عميقة، لأنه ينقل القضية من إطار التبادل التجاري العادي إلى مستوى الأمن الصناعي المصري، ويؤكد أن السودان ليس مجرد سوق للمنتجات المصرية، وإنما شريك رئيس في سلاسل الإنتاج والتصدير.
▪️ توقف تدفقات المواد الخام السودانية لا يعني فقط نقصًا في الإمدادات، بل يعني كذلك تعطيل خطوط إنتاج كاملة، وارتفاع تكاليف التشغيل، والبحث عن بدائل أكثر تكلفة، وربما أقل جودة، فضلاً عن خسارة الأسواق الخارجية التي ترتبط بعقود زمنية صارمة لا تحتمل التأخير.
▪️وتتضاعف الخطورة إذا امتدت الأزمة لفترات طويلة، لأن الأسواق الدولية لا تنتظر أحدًا، والشركات الأجنبية تبحث دائمًا عن المورد الأكثر استقرارًا. وإذا عجزت المصانع المصرية عن الوفاء بالتزاماتها، فإن المنافسين سيملؤون الفراغ بسرعة، وقد يصبح استرداد تلك الأسواق أكثر صعوبة حتى بعد عودة الإمدادات السودانية.
▪️ولا تقف الخسائر عند حدود الصناعة فقط، بل تمتد إلى ميزان المدفوعات، وعائدات الصادرات، وحركة النقل البري، والأنشطة اللوجستية، وفرص العمل المرتبطة بهذه الصناعات، إضافة إلى الضغوط التي قد تتعرض لها العملة المحلية نتيجة انخفاض الإيرادات التصديرية.
▪️أما السودان، فإنه يمتلك أوراقًا اقتصادية بالغة الأهمية إذا أحسن إدارتها. فالثروات الزراعية والحيوانية والمعدنية السودانية ليست مجرد سلع أولية، وإنما مدخلات إنتاج تدخل في صناعات غذائية ودوائية ونسيجية ومعدنية متعددة داخل مصر وخارجها.
▪️ومن هنا يبرز سؤال مشروع: ماذا لو قرر السودان إعادة هيكلة صادراته بالكامل، وتوجيه موارده إلى التصنيع المحلي أو إلى أسواق أخرى تقدم قيمة مضافة أعلى؟ فالإجابة الاقتصادية تشير إلى أن مصر ستكون مطالبة بإعادة بناء جزء من سلاسل إمدادها الصناعية، وهو أمر يحتاج إلى استثمارات جديدة، وزمن طويل، وتكاليف مرتفعة، بينما ستكون المصانع معرضة خلال تلك الفترة لضغوط تشغيلية وتسويقية كبيرة.
▪️ومن الجانب السوداني، فإن الدرس الأهم يتمثل في ضرورة الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصدير المنتجات المصنعة. فالقيمة الحقيقية لا تتحقق من بيع القطن خامًا، وإنما من صناعة الغزل والنسيج، ولا من تصدير السمسم والفول السوداني فقط، وإنما من تصنيع الزيوت والمنتجات الغذائية، ولا من بيع الماشية الحية وحدها، وإنما من تصدير اللحوم المصنعة والجلود والمنتجات المرتبطة بها.
▪️كما ينبغي إخضاع حركة الثروات الوطنية لرقابة دقيقة تضمن معرفة الكميات المصدرة، وأسعارها الحقيقية، والقيمة المضافة التي يمكن تحقيقها داخل السودان، حتى لا تتحول الموارد الوطنية إلى مصدر لازدهار اقتصادات الآخرين بينما يظل الاقتصاد السوداني يكتفي بعائدات محدودة.
▪️غير أن هذه الحقائق الاقتصادية لا ينبغي أن تُفسَّر باعتبارها دعوة إلى القطيعة أو الصدام بين البلدين، فاستقرار العلاقات الاقتصادية بين السودان ومصر يحقق مصالح متبادلة للطرفين. والمصلحة المشتركة تقتضي أن تقوم العلاقة على الشفافية، والاحترام المتبادل، وتوازن المنافع، وعدم استغلال ظروف الأزمات لتحقيق مكاسب غير عادلة.
▪️ تصريح وزير الصناعة المصري يحمل رسالة واضحة؛ مفادها أن الاقتصاد المصري يحتاج إلى السودان بقدر ما يحتاج السودان إلى أسواق مستقرة لمنتجاته. وهذه الحقيقة ينبغي أن تدفع صناع القرار في البلدين إلى بناء علاقة اقتصادية أكثر عدالة وتوازنًا، تقوم على الشراكة الحقيقية لا على التبعية، وعلى التصنيع المشترك لا الاكتفاء بتبادل المواد الخام.
▪️ويبقى الدرس الأكبر أن الثروات الوطنية ليست مجرد موارد تُستخرج وتُصدَّر، وإنما هي أدوات لصناعة القوة الاقتصادية والسيادة الوطنية. والدول التي تدرك قيمة مواردها وتحسن إدارتها هي التي تمتلك قرارها الاقتصادي، وتحمي مستقبل أجيالها، وتفرض احترامها على الجميع.



