الأعمدة

محاكمة مشروع “التمكين” في السودان بميزان القرآن والسنة

.

✍️ محمد الفاتح حضرة
📜لماذا نفتح هذا الملف؟
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90)
📂 رقم القضية: مشروع التمكين في السودان (1989–2026)
⚖️ القاضي: القرآن الكريم
📜 القانون: القرآن والسنة الصحيحة
📚 منهج المحكمة: النصوص أولًا، ثم الوقائع التاريخية، ثم يترك الحكم للقارئ.
😡🧐 على مدى أكثر من ثلاثة عقود، ارتبطت التجربة السياسية التي حكمت السودان منذ عام 1989 بمصطلح ظل يتردد في خطابها أكثر من أي مصطلح آخر، وهو “التمكين”.
وباسم هذا المفهوم أُجريت تغييرات واسعة في مؤسسات الدولة، وأصبح المصطلح جزءًا من الحياة السياسية السودانية، حتى غدا عند كثير من الناس مرادفًا للسيطرة على السلطة وإدارة أجهزة الدولة.
لكن يبقى سؤال جوهري:
هل هذا هو فعلاً التمكين الذي قصده القرآن الكريم؟
هذا السؤال ليس سؤالًا سياسياً، بل هو سؤال قرآني.
ولذلك فإن هذه السلسلة لا تنطلق من بيانات الأحزاب، ولا من خطابات المؤيدين أو المعارضين، وإنما تنطلق من النصوص التي احتج بها المسلمون جميعًا، وهي القرآن الكريم والسنة الصحيحة.
وليس المقصود بهذه السلسلة محاكمة الإسلام، فالإسلام دين معصوم، ولا محاكمة الشريعة، فهي وحي من الله، وإنما مراجعة تجربة بشرية رفعت شعارات دينية، ودراسة مدى توافقها مع المعايير التي وضعها القرآن نفسه.
إن كل تجربة بشرية قابلة للمراجعة والنقد، مهما كان أصحابها أو شعاراتها، لأن العصمة للأنبياء فيما يبلغون عن الله، أما اجتهادات البشر فتقبل المراجعة والتقويم.
ومن هنا جاءت فكرة هذه السلسلة.
لن نسأل:
ماذا قالت أي جماعة عن نفسها؟
بل سنسأل:
ماذا قال القرآن عن التمكين؟
ثم ننتقل بعد ذلك إلى الوقائع التاريخية، ونقارن بينها وبين هذا الميزان.
فإذا وجدنا توافقًا أثبتناه.
وإذا وجدنا تعارضًا بين المعيار القرآني والواقع التاريخي، بينّاه.
أما الحكم النهائي، فسنتركه للقارئ.
🛑ما هو التمكين الذي وعد الله به عباده المؤمنين؟!!
منذ الثلاثين من يونيو 1989، لم تردد جماعة ما يسمى بالحركة الإسلامية، والمؤتمر الوطني لاحقًا، والتيار الإسلامي العريض، مصطلحًا أكثر من كلمة “التمكين”.
تحولت الكلمة إلى عقيدة سياسية…
وإلى برنامج لإدارة الدولة…
وإلى مبرر لإعادة تشكيل مؤسساتها.
وبإسم “التمكين” أُجريت تغييرات واسعة في كل أجهزة الدولة بما في ذلك الجيش وكل المؤسسة العسكرية والامنية والشرطية والعدلية والقضائية ، وأصبح هذا المصطلح جزءًا من الخطاب السياسي السوداني حتى صار كثير من الناس يظنون أن التمكين يعني السيطرة بالقوة على الحكم الي الأبدّ ، وإحكام القبضة على جميع مؤسسات الدولة وثرواتها ، وضمان بقاء السلطة في يد جماعة الحركة الإسلامية الي ان يرث الله الأرض ومن عليها ‼️
لكن…
🤔هل هذا هو التمكين الذي تحدث عنه القرآن؟!!
قبل أن نحاكم أي تجربة سياسية، علينا أن نرجع إلى المصدر الذي استمدت منه هذه الجماعة خطابها، وهو القرآن الكريم.
فالذي وعد بالتمكين هو الله، وهو وحده الذي يملك تعريفه وشروطه وغاياته..
قال الله تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا…﴾
(النور: 55)
هذه الآية هي الدستور القرآني للتمكين..
ولو تأملناها كلمةً كلمة، لاكتشفنا أن القرآن لا يتحدث عن تمكين حزب، ولا تمكين جماعة، ولا تمكين تنظيم، وإنما عن تمكين قيَّم.
🟢أولًا… الإسلام وحده لا يكفي لإستحقاق التمكين
تأملوا الآية…
لم يقل الله:
“وعد الله المسلمين…”
ولم يقل:
“وعد الله من رفعوا شعار الإسلام…”
بل قال:
﴿وعد الله الذين:- آمَنُوا 🫵﴾
ثم أضاف الله شرطاً آخر لا يقل أهمية:
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ🫵﴾
🧐🫵وهنا يجب ان يتوقف كل عاقل متدبر …
فلو كان مجرد الانتساب إلى الإسلام كافياً، لما كان لذكر العمل الصالح معنى.
إذن…
مجرد الإسلام و الإيمان الذي لا يثمر عدلًا، ولا أمانة، ولا إصلاحاً، فإنه لا يحقق وحده شروط هذا الوعد بالتمكين..
فلا بد من العمل الصالح المبني علي الإلتزام بكل قيم وأخلاق وقواعد الشريعة الإسلامية.
🟢ثانياً… ما صفات الذين يُمكّن الله لهم؟
لم يترك القرآن الباب مفتوحًا للاجتهاد، بل وصفهم وصفًا دقيقًا..
قال الله تعالى:
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾
(الحج: 41)
هذه ليست قائمة شعارات…
بل هي قائمة أعمال وصفات.
ولم يكتف القرآن بذلك، بل أكمل صورة أهل التمكين بصفات أخرى، فجعل العدل، وأداء الأمانات، والوفاء بالعهود، من أصول الحكم الصالح..
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
(النحل: 90)
وقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
(النساء: 58)
وقال في وصف المؤمنين:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾
(المؤمنون: 8)
وفي السنة قال النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.»
وقال ﷺ:
«كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه.»
وقال ﷺ:
«اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.»
إذن…
التمكين في القرآن ليس مستحقاً بمجرد إقامة شعائر الإسلام التعبدية ، بل بإقامة العدل، والأمانة، وحفظ الدماء، وصيانة الأموال، والوفاء بالعهود، ومحاربة الفساد، وتحقيق الأمن.
🟢ثالثًا… ما ثمرة التمكين؟
من أعجب ما في آية سورة النور أن الله لم يكتف بذكر الشروط، بل ذكر النتيجة.
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾
إذن…
الأمن ليس إنجازًا سياسياً يُتباهى به…
بل هو علامة قرآنية على صحة طريق التمكين.
فإذا غاب الأمن…
وسادت الفوضى…
وانتشرت الحروب والفتن…
وكثرت الدماء…
فإن من حق الأمة أن تسأل:
هل تحققت شروط التمكين أصلًا؟
🫵هنالك سؤال لا مفر منه…
إذا كان القرآن قد وضع هذه الشروط الواضحة، فلماذا تحوّل مفهوم التمكين في التجربة السودانية إلى مفهوم حزبي وإداري وسياسي، يختلف كثيرًا عن المفهوم القرآني؟
هل كان الخلل في المنهج؟
أم في فهم البشر للقرآن؟
هذا هو السؤال الذي ستبدأ المحكمة في نظره في الجلسة القادمة إن شاء الله.
سنعرض مفهوم “التمكين” كما استُخدم في التجربة السودانية، ثم نقارنه بالمفهوم الذي قرره القرآن الكريم، دون افتراض نتائج مسبقة، تاركين للقارئ أن يزن الوقائع بميزان النصوص.
#يتبع…
#السودان #التمكين #القرآن #الحركة_الإسلامية #المؤتمر_الوطني #الفكر_الإسلامي

زر الذهاب إلى الأعلى