
بقلم: إسماعيل السيد أحمد
لا تغيب عن فطنة المستمع لأغاني الحقيبة أو القارئ لأشعارها ظاهرة ذِكر شعراء أغاني الحقيبة لأسمائهم في خواتيم قصائدهم الغنائية، وهو ما يعرف أدبياً ب (التوقيع الشعري أو التذييل بالاسم)، مخلّدين بذلك حضورهم داخل النصوص الشعرية، ومعّبرين في ذات الوقت عن اندماجهم الوجداني والعاطفي معها.
يسعى هذا المقال إلى استجلاء البُعد الفلسفي للتوقيع الشعري والكشف عن دلالاته النفسية، من خلال تحليل نماذج مختارة من أشعار الحقيبة، واستنطاق ما تنطوي عليه من أبعاد ودوافع تسهم في تشكيل بنيتها النصية. كما يحاول المقال الاستقصاء عن الدوافع التي حملت بعض شعراء الحقيبة على تضمين أسمائهم في اشعارهم الغنائية، والأبعاد الفلسفية والدلالات النفسية الكامنة وراء التوقيع، والأثر الفني الذي يضيفه التوقيع إلى بناء القصيدة.
اقتفى عدد من شعراء الحقيبة أثر شعراء الأدب الصوفي الذين ذكروا أسماءهم في العديد من قصائدهم التي الفوها في شعر الوجد العرفاني والوصال الروحي، منهم على سبيل المثال: الشاعر/ عبد الغني النابلسي (1641–1730م) في قصيدته “يا سائق الأظعان” حينما ذكر اسمه صراحةً، معبراً بذلك عن حالتي الشوق الروحي والوله العرفاني اللتان انتابتاه في حبه الصادق لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولآلي بيته الكِرام بقوله:
للزائد التكريم شمس المعالي** مع عصبة التقديم صحبٍ وآلِ
عبد الغني ولهان فيه ينادي
كما وقعّ شعرياً الشاعر -اليمني- الصوفي/ عبد الرحيم البرعي في قصيدته “يا راحلين إلى منى” مخاطباً الحَجِيج أن يبلغوا سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بما أصابه من لاعج وجد، وجوى عشق لشخصه الكريم، الأمر الذي جعله يزهد الدنيا ويبتعد عن أحبته وأصدقائه قائلا:
قولوا له عبدُ الرحيم متيِّمٌ** ومفارقُ الأحبابِ والأولادِ
ولقد تفّوق العارف بالله الشيخ/ عبد الرحيم محمد وقيع الله (عبد الرحيم البرعي – السوداني) على الكثير من أقرانه في حضوره الذاتي داخل النص الشعري، حين جعل من التوقيع الشعري سمةً بارزة في قصائده؛ فضمّن اسمه في ستين قصيدة من أصل مائة قصيدة وردت في ديوانه «رياض الجنة ونور الدجنة»، الصادر عن مركز الأسباط للإنتاج الإعلامي والنشر، الطبعة الخامسة، 2012. كاشفاً عن وعي شعري خاص تتحول فيه الذات من مجرد قائلة للنص إلى عنصر بنائيّ فاعل داخل التجربة الشعرية ذاتها. إذ إنه لا يكتفي بإثبات ملكيته للنص فقط، بل يعلن عن حضوره الإنساني والفكري والعاطفي في ثنايا النص.
من خلال استعراضنا للأمثلة الثلاثة -سالفة البيان- يتضح بما لا يدع مجالاً للشك مدى تماهي شعراء الحقيبة بشكل عام مع الخطاب الصوفي. وتأكيداً لذلك ذكر الشاعر/على احمداني الشهير ب(المسّاح) لاسمه في قصيدته الغنائية ” نغيم فاهك يا أم زين دواي” والتي يُعبّر فيها عن نزعة إنسانية أحالت اسمه إلى علامة رمزية مقاومة للنسيان، ومخلّدة للذات.
أنا الحُجّة بحل مشبكا ** أنا المسّاح دمع البكا
حيث خلق الشاعر/ المساح بتوقيعه على القصيدة أبعاد فلسفية، أحدثت انصهاراً كاملاً بين ذات الشاعر وبنيوية النص، إذ أصبح اسمه جزءً من البنيّة الشعرية، فلم تعد مفردة “المساح” مجرد اسم ينفصل عن النص، بل تعتبر امتداداً لفخر الشاعر بنفسه، واكراماً لإنسانيته التي تتمثل في حله لمشاكل الغير ومواساته لهم بتخفيف احزانهم واوجاعهم، والشفقة والرحمة بهم (أنا المسّاح دمع البكا). فيتحول الشاعر إلى شخصية داخل القصيدة، لا مجرد مؤلفاً لها.
وكذلك الشاعر /إبراهيم العبادي في قصيدته ” يا حليل رياضنا الغنا” التي تغنى بها الحاج/ محمد أحمد سرور، يوحي من خلال ذكره لاسمه حضوره الداخلي وحاجته إلى التعبير عن ذاته وتأكيد مشاعره داخل النص.
ثغرك برق عبادي ** يمطر جمر في اكبادي
فذكر الشاعر لاسمه في القصيدة- ولو على سبيل التورية- يرتبط بحالة نفسية وشعورية عميقة يعيشها الشاعر، فيغدو الاسم نفسه سبباً في معاناته وحنينه، لأن ذلك يذكره بأسنان محبوبته الوضاءة في لمعان البرق، وبلُمْي شفتيها في سواد السحاب الماطر. وحينها تعتمل نار الصبابات في اكباده، ويسعر جوى الشوق احشائه (يمطر جمر في اكبادي)، وهو مشهد – لا ريب فيه- يجافي طبيعة البرق العبادي (البرق القبلي) الذي يزف بُشريات الخريف اللّين في نفوس أهل السودان.
يُضمِّن الشاعر صالح عبد السيد (أبو صلاح) اسمه في قصيدته «يا النيّة جدّية السراح» بوصفه عنصراً دلالياً يتجاوز مجرد الإشارة الذاتية، ليمنح التجربة الشعرية تميزها وخصوصيتها التعبيرية. فبعد أن استغرق الشاعر/أبو صلاح في تعداد مفاتن محبوبته، (يا ام رمشـــــــــــــــاً زيَّ السلاح ** يا ام عارضـــــاً في الظلمة لاح** يا ام حسنــــاً تامــــــــي الملاح)، انتقل إلى رسم صورة آسرة لجمالها تستثير الدهشة وتربك أدوات الوصف، فهاهو الشاعر يقف أمام عاجزاً عن وصف محاسنها ومفاتنها (يا ام وصفــــــــــــــــاً حيّـر صلاح).
يا ام رمشـــــــــــــــاً زيَّ السلاح ** يا ام عارضـــــاً في الظلمة لاح
يا ام حسنــــاً تامــــــــي الملاح ** يا ام وصفــــــــــــــــاً حيـر صلاح
غير أنّ استدعاء الشاعر لاسمه “صلاح” داخل النص الشعري يُعّد حالة إنسانية تتعدى شعوره الشخصي، ليشارك من خلالها المتلقي إحساس الانبهار والعجز أمام الجمال، والاعتراف الصريح بانكسار اللغة أمام اكتمال جمال المحبوبة.
لم يكتف الشاعر/ المساح بتذييل اسمه في قصائده، بل اضاف اسم صديقه الشاعر / محمد على “الأمي” في قصيدته الغنائية الشاغلين فؤادي بقوله:
ماذيني الضنا وأنا صابر عليه**حالتو كئيبة اخوك يا محمد علي
ناظم القول اخوك المساح علي.
يُجسِّد الشاعر حالة المعاناة العاطفية التي لازمته، والتي بلغت من الشدة منتهاها حتى أصبحت مصدر أذى نفسي له، بيد أنه يتقبلها بالصبر والاحتمال، وكأن المعاناة نفسها أصبحت جزءً من وفائه وصدقه في محبته. (ماذيني الضنا وأنا صابر عليه). ويفصح من خلالها الشاعر المساح لصديقه الشاعر /محمد على (الأمي) عما اصابه من اكتئاب نتيجة جفاء المحبوبة له «حالتو كئيبة أخوك يا محمد علي»، ومن ثم يضفي استدعاء اسم صديقه بعبارة «أخوك يا محمد علي» سمة الاعتراف بمعاناته، مما يمنح التجربة صدقاً شعورياً. وبذلك يكون قد ربط تجربته العاطفية باسمه، وأصبح الاسم حاملاً للمعاناة والحنين والذاكرة الوجدانية معاً.
في حضور للشاعر داخل نص قصيدته “يا بدور القلعة وجوهر” التي تغنى بها الفنان كرومة ذكر اسمه معبراً به عن ذاته، ومؤكداً لحالته النفسية والشعورية العميقة يعيشها الشاعر داخل النص، بقوله:
للنسايم بالند عطرا * دا الدفق لدموعي ومطرا
جارحه صالح كل ما يحضرا * في مدينة الجوف ساكنه الضرا
ايراد أبو صلاح لاسمه في الابيات السابقة يعد صورة من صور البوح والاعتراف بمعاناته، يفرغ عبره الشاعر ما يعتمل في نفسه من عشق وحزن واشتياق.
ولإبراز سلطة الذات الشاعرة في النص الشعري، لجأ بعض شعراء الحقيبة لتخليد اسمائهم من خلال ذكرهم لها، معلنين بذلك قدرة امتلاكهم لزمام اللغة وتطويعيهم لمفرداتها، ومقدرتهم الفائقة في تشكيل المعنى والتأثير على المتلقي، ومن بينهم الشاعر ابوصلاح الذي استخدم التورية في قصيدته “اجسامنا ليه جسمين” كأداة ذكية لإخفاء المعنى الحقيقي لاسمه (صالح)خلف ستار المعنى الظاهري، مما يخلق متعة ذهنية للمتلقي.
شايقاني بسمة فاهك در عقيدو متين** لولاها مالي “صالح” في الزلال والتين
في مشهد بانورامي بديع – في البيت السابق- يصّور لنا الشاعر أبو صلاح سحر بسمة محبوبته الآسرة التي تنبثق من اسنان بيض كعقد من لؤلؤ مكنون أو در نضيد، والتي لولا تلك الابتسامة لما وجد الشاعر لذةً أو رغبةً في غيرها من متع الحياة وجمالها. حيث إن ابتسامة المحبوبة بلغت من الجمال مبلغاً جعل الشاعر يزهد في كل لذة أخرى؛ فلا ماء عذب ولا ثمر طيب يعدل عنده متعة النظر إليها.
وعليه، فإن جمال التورية هنا قائم على أن مفردة (صالح) التي تؤدي معنى ظاهراً منسجماً مع التركيب (مالي صالح) حيث تعني انعدام رغبة، لكنها تُخفي في الوقت نفسه إشارة ذاتية إلى الشاعر نفسه، فيتحول البيت من مجرد وصف للحال إلى حضور ذاتي للشاعر داخل تجربته العاطفية.
وختاماً، يمكننا القول بأن ذكر شعراء الحقيبة لأسمائهم في اشعارهم الغنائية- سواء كانت في خواتيمها أو أي موضع منها-، فإن ذلك -دون أدنى شك- يخلق قدراً من مشاركة المتلقي لمعاناتهم، ويجعلهم أكثر تفاعلاً مع حالاتهم النفسية، كما إنه يعكس ثقة الشعراء بأنفسهم واعتزازهم بمقدراتهم اللغوية، والتعبير الجليّ عن تجاربهم العاطفية، فضلاً عن إثبات نسبة القصيدة إليهم، لاسيما وأنها تؤلف في مجتمعات تعتمد على التوثيق الشفاهي والذاكرة السماعية، حيث تنتقل فيها الأشعار بالغناء والرواية دون ذكران لأسمائهم.



