
عوض ابوشعرة
ظلّ عبد الفتاح البرهان يحدّث السودانيين، لسنوات، عن بطولاته الخارقة. لم يكن مجرد قائد عادي، بل – وفق الرواية التي رُوّجت له – رجلٌ يحفر المستحيل بالإبرة، ويشقّ الطريق بخيطٍ رفيع، ويقلب الموازين بإرادة فولاذية.
كانت الإبرة في خطابه رمزاً للقدرة على اقتحام الصعب، وكأن السياسة يمكن أن تُدار بقوة الإرادة وحدها، وأن الواقع يستجيب لمن يرفع سقف الشعارات أكثر من غيره.
لكن ما كان يُقدَّم كأداة للحفر، يبدو اليوم هو نفسه الممرّ الوحيد الذي يبحث عنه.
يا للمفارقة!
من كان يقدّم نفسه كمن يحفر المستحيل بالإبرة، صار يبحث عن “ثقب إبرة” ينجو عبره من نتائج السياسة والحرب.
واليوم تتكشف ملامح المشهد الذي يطوّقه من كل اتجاه: ضغوط القوى المدنية، والضائقة المعيشية الخانقة التي خلّفتها الحرب، وتوازنات الداخل المعقدة، إضافة إلى العقوبات الدولية التي تضيق الخناق تدريجياً. وفي الخلفية أيضاً حسابات التحالفات الإقليمية، وما يُثار حول الدعم والتمويل والعلاقات المتشابكة، وصولاً إلى دور الحركة الإسلامية التي ترى فيه، بحسب قراءات عديدة، مساحة أخيرة للبقاء في السلطة. وسط هذا كله، تبدو الحركة السياسية أقرب إلى مساحة محاصرة لا إلى خيار مفتوح.
وبين هذه الدوائر المتداخلة، تتراجع مساحة المناورة، ويصبح البحث عن “مخرج” هو العنوان الأكثر حضوراً في المشهد.
ويزداد المشهد قتامة مع ما نُقل عن تقرير قدّمه مسعد بولس، يفيد بأن حكومة بورتسودان رفضت كل المساعي التي من شأنها إخماد نار الحرب، لتبقى الأزمة في حالة إعادة إنتاج مستمرة، بلا أفق واضح للتهدئة.
في هذا السياق، تتحول الإبرة من رمز للبطولة المعلنة إلى رمز للمأزق ذاته: من أداة “حفر المستحيل” إلى منفذ ضيق للنجاة.
لقد تبيّن، مع تراكم التجربة، أن الحفر أسهل من الردم، وأن إشعال الحروب أسهل من إطفائها، وأن الشعارات مهما ارتفعت لا تُقيم دولة، تماماً كما لا تتحول الإبرة إلى حفّار مهما اشتد الخطاب حولها.
كلما ضاقت الخيارات، اتسعت الخطابات. وكلما اشتدّت الأزمة، عاد منطق البطولة إلى الواجهة. لكن الواقع لا يتأثر بالبيانات، ولا يصفّق للخطب، ولا يمنح شرعية تُبنى على الإعلان الذاتي.
المشهد اليوم أقرب إلى كاريكاتير سياسي مكتمل: قائدٌ تحدّث طويلاً عن اختراق المستحيل بالإبرة، ثم وجد نفسه محاصراً بتراكمات الواقع، لا يملك إلا البحث عن ثقبٍ صغير يتسلل منه إلى تسوية تحفظ ماء الوجه، أو وساطة تؤجل الحساب، أو مخرج يخفف ثقل اللحظة، أو منفذ مؤقت لتخفيف الضغط المتصاعد.
وفي خضم هذا الواقع، يقرأ البعض أن منطق “الهروب إلى الأمام” عبر استمرار ما يسمى “حرب الكرامة” يبدو، في تصور القيادة، خياراً لتأجيل المواجهة مع الاستحقاقات الثقيلة، رغم أن هذا المسار نفسه قد يوسع دائرة الأزمة بدل تقليصها.
ويصدق هنا المثل الشعبي: “الفي الإيد غير الفي الخيال.” فالإبرة في الخيال كانت أداة لفتح المستحيل، أما في الواقع فقد تحولت إلى ثقب ضيق، يحاول البعض العبور منه بعد أن أُغلقت الممرات الواسعة، وانسدت أبواب الحلول السهلة.
وفي النهاية، ربما لا يكون الخلل في الإبرة، بل في فكرة إدارة الدولة بمنطق الاستعراض، وفي الاعتقاد أن تعقيدات الواقع يمكن تجاوزها بالشعارات، وأن السياسة يمكن اختزالها في خطاب بطولي يتجاهل حدود الممكن.
وهكذا تنتهي أسطورة “الحفر بالإبرة” بالطريقة الأكثر مفارقة: لا بفتح المستحيل، بل بالبحث المضني عن ثقبٍ ضيق، بعدما ظن أصحابها أن الواقع يمكن تشكيله بالكلمات وحدها، وأن الجغرافيا السياسية قابلة لإعادة الرسم بالتصريحات.
#الثورة_مستمرة
#ماعدا_المؤتمر_الوطني
#لا_للحرب
#نعم_للسلام



