
تمارس الدولة المصرية، في علاقتها بكيزان السودان، نفاقاً سياسياً في أقذع صوره. فهي تعرف الإخوان المسلمين جيداً، وتعرف غدرهم وانتهازيتهم وخطرهم على الدولة والمجتمع، ولذلك لا ترحمهم داخل ترابها، ولا تجاملهم، ولا تترك لهم فرصة للتغلغل في مفاصل الحكم. لكنها، حين يتعلق الأمر بالسودان ومصالحها فيه، تنسى كل ذلك التاريخ، وتفتح ذراعيها لإخوان السودان، لا حباً فيهم ولا ثقةً بهم، بل لأنهم أرخص وكلاء المصالح المصرية في السودان.
المفارقة الفاضحة أن هؤلاء الكيزان السودانيين هم امتداد فكري وسياسي لذات التيار الذي حاربته مصر في الداخل، بل إن نظامهم ارتبط تاريخياً بمحاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا. ومع ذلك، حين قبضت مصر ثمن الصمت والتواطؤ والنفوذ، تغيّر الموقف. صار العداء القديم قابلاً للنسيان، وصارت حلايب، والموارد، والمياه، والنفوذ السياسي، والأمن الحدودي، أثماناً كافية لغسل الذاكرة وفتح صفحة المصالح القذرة.
لقد تعاملت مصر مع كيزان السودان لا بوصفهم خطراً أيديولوجياً، بل بوصفهم أدوات مطيعة. فهي لا تريد في السودان ديمقراطية حقيقية، ولا دولة مدنية مستقلة القرار، ولا شعباً حراً يملك إرادته وموارده ومياهه. لأن أي ديمقراطية سودانية ناجحة على حدودها ستكون فضيحة سياسية وأخلاقية لنظامها الدكتاتوري العتيق، وستكشف أن الشعوب تستطيع أن تنهض خارج قبضة العسكر والمخابرات والوصاية الأجنبية.
ولهذا لم يكن غريباً أن تتآمر مصر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على ثورة السودان المدنية، وأن تنظر إلى سقوط حكم الكيزان لا كتحرر لشعب جار، بل كتهديد استراتيجي لمصالحها القديمة. فقد كان السودان في عهد الكيزان دولةً رخوة، مخطوفة، قابلة للبيع والتأجير والمساومة. وكان الكيزان مستعدين دائماً لدفع ثمن بقائهم في السلطة من أرض السودان ومائه وكرامته وسيادته.
واليوم، في ظل هذه الحرب الكارثية، تتكشف الحقيقة أكثر: فالحرب ليست مأساة سودانية فقط، بل هي أيضاً فرصة ذهبية لكل من يريد سوداناً ضعيفاً ممزقاً بلا قرار. ومصر واحدة من أكبر المستفيدين من هذا الخراب؛ فكلما طال أمد الحرب، تراجعت قدرة السودان على حماية حدوده، ومياهه، وموارده، وقراره الوطني. وكلما ضعفت الدولة السودانية، اتسعت شهية المتدخلين والطامعين.
إن كيزان السودان، في جوهر دورهم التاريخي، لم يكونوا حراساً للدين ولا للوطن، بل حراساً لمصالح الآخرين داخل السودان. وحين يتعلق الأمر بمصر تحديداً، فقد أثبتوا أنهم أرخص فئات الإخوان في العالم: تبيعهم السلطة، وتشتريهم الحماية، ويكفيهم أن يبقوا قريبين من الكرسي ولو كان الثمن أرض الوطن وماءه ودماء أبنائه.
ومن هنا يجب أن يكون موقف السودانيين واضحاً: لا ثقة في كيزان باعوا الوطن، ولا ثقة في دولة تتعامل مع أعداء الديمقراطية في السودان كحلفاء لمجرد أنهم يخدمون مصالحها. فمصر التي تطارد إخوانها في الداخل، وتتحالف مع إخوان السودان في الخارج، لا تمارس سياسة دولة محترمة، بل تمارس نفاق المصالح في أبشع صوره.
إن معركة السودان اليوم ليست فقط ضد الحرب، ولا ضد الكيزان، ولا ضد الجنجويد، بل ضد كل مشروع إقليمي يريد للسودان أن يبقى تابعاً، ممزقاً، بلا سيادة ولا ديمقراطية ولا قرار. ولن ينهض السودان إلا حين يسمي الأشياء بأسمائها: الكيزان خونة الوطن، ومن يتحالف معهم ضد شعب السودان شريك في الجريمة، أياً كان اسمه أو موقعه أو شعاراته.



