
محمد الفاتح حضرة
📜 ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ سورة آل عمران: 135
قبل أن نتحدث عن السودان…
وقبل أن نتحدث عن السياسة، أو العسكر، أو الأحزاب، أو الجماعات…
ينبغي أن نقف أولًا أمام هذه الآية العظيمة.
فقد أجمع أهل التفسير على أنها من أعظم آيات الرجاء في كتاب الله، لأنها لم تصف المؤمنين بأنهم لا يذنبون، وإنما وصفتهم بأنهم لا يقيمون على الذنب إذا تبين لهم الحق.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن المؤمن قد يذنب، ولكنه لا يقيم على ذنبه إذا ذكر الله.
وقال الحسن البصري: “المؤمن لا يصر على الذنب، كلما أذنب تاب.”
وقال الطبري: الإصرار هو الإقامة على المعصية مع العلم بها، وترك التوبة منها.
وقال ابن كثير: أي لا يداومون على الذنب، بل يبادرون إلى التوبة والاستغفار.
وقال القرطبي: ليس الإصرار مجرد وقوع الذنب، وإنما الاستمرار عليه مع العلم بقبحه.
وقال رسول الله ﷺ:
«كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.»
إذن…
المشكلة ليست في وقوع الخطأ.
فالأنبياء أنفسهم اجتهدوا، وتابوا، واستغفروا ربهم، فكيف بغيرهم؟!!
ولكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الخطأ إلى سياسة…
ويتحول الاعتراف به إلى هزيمة…
وتتحول التوبة إلى ضعف…
ويصبح الإصرار على الخطأ فضيلة عند أصحابه!!
وهنا تتجلى دقة التعبير القرآني.
فالآية جاءت بصيغة الجمع:
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾
وكأنها تخاطب الأفراد والجماعات معًا…
الأحزاب…
والحكومات…
والجيوش…
والحركات…
وكل من تولى شأنًا من شؤون الناس.
فالقرآن لا يمنح العصمة لأحد.
ولا يمنح القداسة لتنظيم.
ولا يمنح البراءة لحاكم.
وإنما يزن الجميع بميزان واحد:
هل راجعتم أنفسكم؟!!
أم أصررتم على ما فعلتم وأنتم تعلمون؟!!
🤔 وأنا أتلو هذه الآية، قفز إلى ذهني تاريخ السودان الحديث.
لقد تعاقبت على بلادنا حكومات مدنية، وأنظمة عسكرية، وأحزاب، وحركات، وجماعات ذات مرجعيات فكرية وسياسية متعددة.
ولكل تجربة ما لها وما عليها.
لكن القاسم المشترك بين كثير من هذه التجارب أنها نادرًا ما اعترفت بأخطائها اعترافًا صريحًا، ونادرًا ما قدمت مراجعات حقيقية أمام الشعب.
والأمم لا تتقدم بإنكار الأخطاء…
بل تتقدم بشجاعة الاعتراف بها.
🛑 ثم جاءت أحداث 25 أكتوبر 2021، ودخل السودان مرحلة جديدة انتهت – عبر تطورات متلاحقة – إلى حرب مدمرة، دفع ثمنها المواطن السوداني قبل أي طرف آخر.
قُتل عشرات الآلاف.
وشُرِّد الملايين.
ودُمِّرت المدن.
وتوقفت مؤسسات الدولة.
وانهار الاقتصاد.
وتمزق النسيج الاجتماعي.
ورغم كل ذلك…
لا يزال كل طرف يرى نفسه على صواب كامل، ويلقي باللوم كله على خصمه.
وهنا يعود سؤال القرآن مرة أخرى:
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
أين المراجعة؟!!
أين الاعتراف بالأخطاء؟!!
أين التوبة السياسية والأخلاقية؟!!
🧐 وهذا السؤال لا يقتصر على قادة الحرب وحدهم.
بل يشمل أيضًا السياسيين…
وأهل الفكر…
وأصحاب المنابر…
وكل من ألهب مشاعر الناس بخطاب يزيد الانقسام، أو برر استمرار الحرب، أو أغلق أبواب الحوار والمراجعة.
فالعالم الصادق يراجع اجتهاده إذا تبين له الحق.
والسياسي الصادق يراجع مواقفه إذا ثبت خطؤها.
والقائد الصادق يقدّم مصلحة الوطن على مصلحة المنصب.
والجماعة الصادقة تقدّم الحق على التنظيم.
ةما الإصرار بعد ظهور النتائج، فهو ما حذر الله منه.
📖 ولذلك كان القرآن يدعو إلى السلم كلما وجد إليه سبيلًا.
قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
سورة الأنفال: 61
وقال سبحانه و تعالي:
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾
سورة النساء: 128
وكان رسول الله ﷺ يقبل الصلح إذا كان فيه حقن للدماء وتحقيق للمصلحة، كما في صلح الحديبية، الذي أثبت التاريخ أنه كان من أعظم أسباب الفتح.
🛑 واليوم…
وفي ذكرى الثلاثين من يونيو…
يجدر بنا أن نتذكر المعنى، لا التاريخ وحده.
لقد خرج ملايين السودانيين في تلك المرحلة، وقبلها وبعدها، تعبيرًا عن تطلعهم إلى وطن يسوده السلام، والحرية، والعدالة.
خرجوا بلا دبابات…
ولا مدافع…
ولا طائرات…
ولا ميليشيات…
وإنما خرجوا بأصواتهم، مطالبين بدولة يحكمها القانون، وتحترم كرامة الإنسان، ويكون فيها الاحتكام إلى الدستور والمؤسسات، لا إلى قوة السلاح.
وكان حلم كثير من السودانيين – وما يزال – أن تكون القوات المسلحة، وسائر القوات النظامية والأمنية، حارسةً للوطن والدستور، لا متنافسةً على السلطة.
وأن تكون السلطة السياسية سلطةً مدنيةً تُكتسب عبر الإرادة الشعبية، وتُمارس وفق دستور متوافق عليه، ويُنظمها التداول السلمي للسلطة.
وأن يقوم في السودان قضاء مستقل، وسلطة تشريعية مستقلة، ورقابة دستورية مستقلة، يخضع لها الجميع دون استثناء، فلا يكون أحد فوق القانون، ولا تكون أي مؤسسة أو جماعة فوق الدولة.
هذه ليست مطالب حزب بعينه…
ولا برنامج تيار بعينه…
بل هي تطلعات مشروعة يتطلع إليها كثير من أبناء السودان، مهما اختلفت مدارسهم السياسية والفكرية.
ويبقى السؤال الذي يطرحه القرآن على الجميع…
ليس: من انتصر في الحرب؟!!
بل:
من راجع نفسه؟!!
ومن اعترف بخطئه؟!!
ومن ردَّ المظالم إلى أهلها؟!!
ومن قدَّم مصلحة السودان على مصلحة الجماعة أو المؤسسة أو المنصب؟!!
فالرجوع إلى الحق فضيلة.
والاعتراف بالخطأ شجاعة.
والتوبة رفعة.
أما الإصرار…
فقد حذر الله منه بقوله:
﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
🤲اللهم ألهم أهل السودان جميعًا رشدهم، واجمع كلمتهم على الحق، ووفقهم إلى ما فيه حقن الدماء، وإقامة العدل، وبناء دولة القانون والمؤسسات، واجعل مراجعة النفس بدايةً لمصالحةٍ وطنيةٍ صادقة، لا غالب فيها إلا مصلحة السودان..
#السودان_بميزان_القرآن #السودان #وقف_الحرب #السلام #الحرية #العدالة #دولة_القانون #التداول_السلمي_للسلطة #مراجعة_النفس



