الأعمدة

صمت البشير… أبلغ من كلامه!

في ذكرى انقلاب الإنقاذ المشؤوم في العام المنصرم إن لم تخني الذاكرة كتب عبد الماجد عبد الحميد مقالًا تقطر سطوره أسًى على سقوط النظام، ونعى فيه ما سماه «الثورة المصنوعة». غير أن السؤال البديهي يظل قائمًا: من الذي صنعها غير الشارع السوداني الذي خرج مطالبًا بالحرية والسلام والعدالة؟
ظل صاحب المقال يسكب حبره في معارضة الثورة والتحريض عليها، رغم أنها حظيت بتقدير واسع داخل السودان وخارجه، قبل أن تنقض عليها المصالح المتضررة، فتجهض حلم التغيير وتفتح أبواب البلاد على هذه الحرب المدمرة.
ويعلن الكاتب، بلا مواربة، أن أسوأ أيام حياته كان يوم سقوط الإنقاذ، ثم يمضي متحسرًا على ذلك العهد، متغافلًا عن أن اللبن الذي يبكي عليه اختلط ببحار من الدماء والدموع التي سالت خلال سنوات حكمه، ثم في أعقاب سقوطه.
وفي ذروة مقاله، يناشد عبد الماجد الرئيس المعزول عمر البشير أن يتحدث «للتاريخ» عن الإنقاذ. لكن ماذا عساه يقول؟
أيقول ما رواه الراحل حسن الترابي في شهادته الشهيرة، من أن البشير لم يكن ضمن دائرة التخطيط للانقلاب، وإنما أُحضر قبل التنفيذ بيومين بحكم أقدميته العسكرية ليتصدر المشهد؟
أم يتحدث عن النهاية التي ختم بها عهده، حين عُثر على ملايين العملات الأجنبية داخل مقر إقامته، وبرر وجودها بأنها هدية من ولي العهد السعودي، بينما سبق أن أُعدم مواطنون، منهم مجدي محجوب وآخرون، في قضايا لم تبلغ الأموال المضبوطة فيها جزءًا يسيرًا مما وُجد بحوزته؟
أم يحدث الناس عن زيارته الأخيرة إلى روسيا، حين جلس أمام الرئيس بوتين طالبًا الحماية من الولايات المتحدة، بعد سنوات من الخطاب الذي امتلأ بشعارات التحدي والمواجهة؟
أم يستعيد اعترافه الصريح في أحد خطاباته الرمضانية، حين أقر بأن أرواحًا أُزهقت لأسباب لا تستحق أن يُذبح فيها حتى خروف؟
بعد كل ذلك، ماذا بقي ليقال؟
إن صمت البشير، في تقديري، أبلغ من أي حديث. ولعل الكلمة الوحيدة التي كان ينتظرها السودانيون منه هي اعتذار صريح لشعب دفع، على امتداد أكثر من ثلاثين عامًا، أثمانًا باهظة من الدماء والآلام والانقسامات.
أما إذا كان المقصود من دعوته إلى الكلام مجرد استعادة نغمة يحن إليها بعض أنصار الإنقاذ، فذلك شأن آخر لا يغير من حقائق الامور شيئًا.
فقد انقضت ثمانية أعوام على ذهاب سلطة الرجل عملا بسنة الحياة دورتها منذ الأزل.
وليس مطلوبا منه الحديث الان وانما عليه أن يترك التاريخ ليقول كلمته فيه بما له وما عليه !

زر الذهاب إلى الأعلى