الأعمدة

كوراساو وكاب فيردي … الغرابة والدهشة

ملكون ملكون


في المونديال لا تتنافس المنتخبات على الأهداف وحدها، بل تتنافس أيضاً على حقها في أن تُروى حكاياتها. فبينما تتجه الأنظار إلى العمالقة المعتادين، تتسلل من أطراف الخريطة دول صغيرة تحمل فوق أكتاف لاعبيها تاريخاً من الاستعمار والهجرة والبحث عن الهوية. فلا تبقى كرة القدم مجرد لعبة، بل نافذة يطل منها العالم لأول مرة على شعوبٍ ظلت طويلاً خارج الضوء.
عندما تأهلت كوراساو للمونديال لم يكن أحد يعرف أن هناك بلداً في العالم بهذا الاسم، فاصطخب الـ”غوغل” بعمليات بحث دؤوبة ومُلحّة لمزيد من التفاصيل التي كانت صادمة لهم عن هذه الجزيرة الصغيرة في جنوب البحر الكاريبي، والتي تُعد أصغر دولة في التاريخ تتأهل لكأس العالم، بمساحة لا تتجاوز 444 كيلومتراً مربعاً، وأقل دولة من حيث عدد السكان بحوالي 155 ألف نسمة فقط.
كوراساو درس كروي مونديالي مجاني بأن الأحلام لا تُقاس بعدد السكان، ولا بحجم الدولة، ولا بقيمة اللاعبين، بل بالعمل والالتزام وعدم الاستسلام بعد السقوط
كوراساو، التي تعني بالبرتغالية “القلب”، صنعت الحدث في المونديال، وشكلت المشهد وخطفت الأضواء بعد تعادلها مع الإكوادور، عندما وجد لاعبوها ملك هولندا “فيليم ألكسندر” والملكة زوجته يدخلان لغرفة ملابس اللاعبين للاحتفال، حينها تساءل الجميع لماذا؟ وعادوا لمحركات البحث، ليكتشفوا معلومة جديدة عن هذه الجزيرة التي خضعت للاستعمار الهولندي لأكثر من ثلاثة قرون، ارتكبت خلالها جرائم العبودية ما دفع ملك هولندا الحالي للاعتراف بجرائم أسلافه، الذين كانوا قد حولوا هذه الجزيرة الهادئة لمركز رئيسي لتجارة الرقيق في الكاريبي منذ 350 سنة، قبل أن يتم تنظيم وضعها الاستعماري المرتبط مع هولندا بحكم ذاتي في الشؤون الداخلية عام 1954 تحت اسم جزر الأنتيل الهولندية.
واستمر الحال أكثر من نصف قرن حتى عام 2006 عندما اتفقت كوراساو مع الحكومة الهولندية على حل الكيان الإداري لجزر الأنتيل، ثم في تشرين الأول/ أكتوبر 2010 حصلت على استقلالها الداخلي وأصبحت دولة ذاتية الحكم، لكن تحت مظلة المملكة الهولندية.

18
مقال
كوراساو وكاب فيردي … الغرابة والدهشة

ملكون ملكونكاتب
1 يوليو 2026 – 06:00
6 دقيقة قراءة

في المونديال لا تتنافس المنتخبات على الأهداف وحدها، بل تتنافس أيضاً على حقها في أن تُروى حكاياتها. فبينما تتجه الأنظار إلى العمالقة المعتادين، تتسلل من أطراف الخريطة دول صغيرة تحمل فوق أكتاف لاعبيها تاريخاً من الاستعمار والهجرة والبحث عن الهوية. فلا تبقى كرة القدم مجرد لعبة، بل نافذة يطل منها العالم لأول مرة على شعوبٍ ظلت طويلاً خارج الضوء.
عندما تأهلت كوراساو للمونديال لم يكن أحد يعرف أن هناك بلداً في العالم بهذا الاسم، فاصطخب الـ”غوغل” بعمليات بحث دؤوبة ومُلحّة لمزيد من التفاصيل التي كانت صادمة لهم عن هذه الجزيرة الصغيرة في جنوب البحر الكاريبي، والتي تُعد أصغر دولة في التاريخ تتأهل لكأس العالم، بمساحة لا تتجاوز 444 كيلومتراً مربعاً، وأقل دولة من حيث عدد السكان بحوالي 155 ألف نسمة فقط.
كوراساو درس كروي مونديالي مجاني بأن الأحلام لا تُقاس بعدد السكان، ولا بحجم الدولة، ولا بقيمة اللاعبين، بل بالعمل والالتزام وعدم الاستسلام بعد السقوط
كوراساو، التي تعني بالبرتغالية “القلب”، صنعت الحدث في المونديال، وشكلت المشهد وخطفت الأضواء بعد تعادلها مع الإكوادور، عندما وجد لاعبوها ملك هولندا “فيليم ألكسندر” والملكة زوجته يدخلان لغرفة ملابس اللاعبين للاحتفال، حينها تساءل الجميع لماذا؟ وعادوا لمحركات البحث، ليكتشفوا معلومة جديدة عن هذه الجزيرة التي خضعت للاستعمار الهولندي لأكثر من ثلاثة قرون، ارتكبت خلالها جرائم العبودية ما دفع ملك هولندا الحالي للاعتراف بجرائم أسلافه، الذين كانوا قد حولوا هذه الجزيرة الهادئة لمركز رئيسي لتجارة الرقيق في الكاريبي منذ 350 سنة، قبل أن يتم تنظيم وضعها الاستعماري المرتبط مع هولندا بحكم ذاتي في الشؤون الداخلية عام 1954 تحت اسم جزر الأنتيل الهولندية.
واستمر الحال أكثر من نصف قرن حتى عام 2006 عندما اتفقت كوراساو مع الحكومة الهولندية على حل الكيان الإداري لجزر الأنتيل، ثم في تشرين الأول/ أكتوبر 2010 حصلت على استقلالها الداخلي وأصبحت دولة ذاتية الحكم، لكن تحت مظلة المملكة الهولندية.
الرجل الذي كتب اسمه في تاريخ كاب فيردي الكروي، وهو المدرب “بوبيستا”، حمل ما هو أعمق من مهمة تدريبية تقليدية، مزج الثقافات المختلفة وأضفى طابع الوطنية عليها

قد يعجبك أيضاً
الأكراد وكرة القدم… حكاية الشقاء
هذه العلاقة بين البلدين أثّرت على كرة القدم، أجيال من شعب كوراساوا رحلوا لهولندا من أجل فرص أفضل. ونجوم صنعوا نجاحات المنتخب الهولندي (باتريك كلويفرت، ايدغار ديفيز، جيوفاني فان برونكهوست)، لكن الآن الحال مختلف فمن أصل 26 لاعباً مشاركاً مع المنتخب في المونديال، فإن 25 منهم قد ولدوا في هولندا، فيما قدمت هذه الجزيرة الصغيرة درساً لباقي المنتخبات المشاركة، إذ كانوا المنتخب الوحيد الذي وضع ثقته بالطبيبة “سوزان هورمان” كرئيسة للطاقم الطبي للمنتخب، فأصبحت ثالث طبيبة رئيسية فقط في كأس العالم على مدار 96 عاماً من تاريخ البطولة.
ملك هولندا احتفل مع أبناء كوراساو، ولكن هذا لا يَمحي تاريخاً طويلاً ومريراً من الاستبداد والاستعمار لبلدٍ لا يزال خارج منظومة الأمم المتحدة، ولكن كرة القدم منحته أضواءً يستحقها.
 كوراساو درس كروي مونديالي مجاني بأن الأحلام لا تُقاس بعدد السكان، ولا بحجم الدولة، ولا بقيمة اللاعبين، بل بالعمل والالتزام وعدم الاستسلام بعد السقوط.
من الجزيرة الكاريبية نبحر لأرخبيل تجمعت في تفاصيله الجغرافية، الغرابة، وفي ظهوره المونديالي الأول، الدهشة. كاب فيردي أو الرأس الأخضر، هذا الاسم لا يصف الجزر نفسها بل يعود إلى نقطة جغرافية تقع على سواحل السنغال الحالية في أقصى غرب إفريقيا. فعندما وصل المستكشفون البرتغاليون إلى المنطقة في القرن الخامس عشر، أطلقوا على ذلك الرأس اسم “كابو فيردي” بسبب غطائه النباتي الأخضر الكثيف، والذي كان يبرز وسط المناطق الجافة والصحراوية المحيطة به. وللمفارقة فإن معظم جزر كاب فيردي ليست خضراء أصلاً، بل تتميز بطبيعة بركانية ومناخ شبه جاف، ما يعني أن الدولة ورثت اسماً يصف مكاناً آخر يقع في دولة أخرى!
  كوراساو وكاب فيردي حققتا في المونديال انتصاراً مختلفاً، انتصار الهوية على الجغرافيا، والإرادة على محدودية الإمكانات

البرتغاليون حولوا هذا الأرخبيل إلى محطة بحرية على طرق التجارة في المحيط الأطلسي، خاصة تجارة الرقيق بين إفريقيا والأميركيتين. وعلى مدى القرون الأربعة حملت السفن البرتغالية ما يقدر بـ 5.8 مليون أفريقي، ذهب معظمهم إلى البرازيل أيضاً التي ظلت مستعمرة برتغالية حتى عام 1822ـ

قد يعجبك أيضاً
سحر كرة القدم
البرتغال تخلت عن هذا الأرخبيل عام 1975 ونال استقلاله، فتوجه حكامه نحو الاتحاد السوفييتي واعتمدوا توجهاً اشتراكياً، لذا لم يكن مفاجئاً أن صاحب أول هدف لكاب فيردي في المونديال الحالي يحمل اسم (كيفن لينيني غونسالفيس بيريرا دي بينا)، اسم يحمل إرث برتغالي استعماري ونهج شيوعي مُتبع، في دلالة واضحة أن الهوية الوطنية لا تزال قلقة.
 “المغامرون” هكذا يلقب شعب كاب فيردي، لأنه يعيش على فوهة بركان نشط، وبلدهم يزداد غرابة كلما تعمقت في تفاصيله. جغرافياً تقع في قلب المحيط الأطلسي بين قارتين، وكأنه بلد لا ينتمي إلى أي منهما.
هذا الموقع المنعزل خلق هوية خاصة للبلد، مجتمع صغير لكنه يمتد جغرافياً إلى كل بقاع الدنيا، بفعل الهجرة إلى البرتغال وفرنسا وهولندا والولايات المتحدة. ورغم أن كاب فيردي أصبحت دولة أفريقية، لكنها بقيت برتغالية الثقافة واللغة والموسيقى وحتى أطباق الطعام. لتتحول إلى مجتمع يحمل مختلف الثقافات والأعراق، لتُنتج مجتمعاً جديداً صنع الهوية الجديدة للبلاد، وهي الهوية الكريولية، التي أصبحت لاحقاً أساس الثقافة المحلية. ومع انتشار الهجرة تحولت البلاد إلى موطن للذكريات أكثر منها مكانًا للحياة، ووجد أبناء كاب فيردي في كرة القدم امتداد لحياة الجزيرة، بين الحنين إلى الوطن والرغبة في ترك البلاد من أجل مستقبل أفضل.

هنا ظهرت ملامح منتخب كاب فيردي. خليط بين لاعبي الدوري المحلي، وأبناء الهجرة وإن وُلدوا خارج البلاد.. حتى أتى الرجل الذي كتب اسمه في تاريخهم الكروي، وهو المدرب “بوبيستا”، الذي حمل على عاتقه ما هو أعمق من مهمة تدريبية تقليدية، الرجل الذي استطاع مزج هذه الثقافات المختلفة وأضفى طابع الوطنية عليها، ليخلق فريقًا وصل إلى ربع نهائي أمم أفريقيا 2024، والآن يتخطى الدور الأول في مشاركته المونديالية الأولى بثلاث تعادلات، وحلم تحقق لشعب يريد أن يستمر في مغامرته المونديالية.

هذا الإنجاز يمنح منتخب كاب فيردي مكافأة التأهل والتي تبلغ 11 مليون دولار، رقم قد يبدو عادياً في عالم الأندية الأوروبية العملاقة، لكنه بالنسبة لدولة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 600 ألف نسمة يمثل دفعة هائلة وفرصة تاريخية لإعادة تشكيل مستقبل كرة القدم داخل البلاد، هذه الأموال لا تعني مكافآت مالية فقط، بل قد تتحول إلى ملاعب جديدة، وقد تعني تطوير أكاديميات الناشئين، وقد تفتح الباب أمام الاستثمار في الطب الرياضي والتحليل الفني والتكنولوجيا الحديثة، وقد تمنح الاتحاد المحلي القدرة على التخطيط طويل الأمد بدلاً من التفكير في كيفية تغطية النفقات الأساسية. ببساطة ما يبدو مكافأة مالية بالنسبة للبعض، قد يكون بالنسبة لكاب فيردي حجر الأساس لمشروع كروي متكامل.
  كوراساو وكاب فيردي حققتا في المونديال انتصاراً مختلفاً، انتصار الهوية على الجغرافيا، والإرادة على محدودية الإمكانات. ففي المونديال، لا تُكتب الحكايات العظيمة دائماً بأقدام الأغنياء، بل كثيراً ما يكتبها أبناء الجزر الصغيرة الذين يثبتون أن مساحة الوطن قد تكون ضيقة على الخريطة، لكنها تتسع في الملعب لتصبح وطناً بحجم العالم

زر الذهاب إلى الأعلى