تقارير

عندما تتحول منصة الأمم المتحدة إلى ساحة للسباب: لماذا تُوجَّه الإهانات إلى الإمارات بينما واشنطن هي التي فرضت العقوبات؟

في مشهد يثير التساؤلات حول مستوى الخطاب الدبلوماسي السوداني، وقف مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، ليخاطب الإمارات بلغة غير مألوفة في الأعراف الدبلوماسية، مستخدماً عبارات مثل «دولة الشر» و«عليكم أن تخسؤوا وتبوؤوا بشِسع نعل كليب»، في سياق رده على الاتهامات المتعلقة باستخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز الخلاف بين السودان والإمارات: هل أصبحت منابر الأمم المتحدة ساحات للشتائم والإهانات؟ وهل يليق بممثل دولة ذات سيادة أن يخاطب دولة أخرى بلغة الازدراء والاحتقار، مهما بلغت حدة الخلافات السياسية بينهما؟
إن الأمم المتحدة ليست مجلساً لتبادل المجاملات، ومن حق السودان أن يدافع عن مصالحه، وأن يوجه الاتهامات لأي دولة يعتقد أنها تتدخل في شؤونه، وأن يقدم ما لديه من أدلة ويطالب بالتحقيق والمساءلة. ولكن ثمة فارق كبير بين توجيه اتهام سياسي أو قانوني وبين استخدام عبارات الإهانة. فالأولى تخضع للنقاش والإثبات والنفي، أما الثانية فلا تضيف إلى القضية دليلاً واحداً.
والأكثر إثارة للتساؤل أن المندوب السوداني نفسه اعترض على وصف «حكومة بورتسودان» الذي استخدمه المندوب الإماراتي، معتبراً أنه لا يليق بمقام الأمم المتحدة، ثم استخدم هو نفسه عبارات أشد حدة في مخاطبة الإمارات! فكيف يطالب الآخرين باحترام الأعراف الدبلوماسية، ثم يستخدم لغة تتعارض مع المعيار الذي يطالبهم به؟
ولكن المفارقة الأكبر تتعلق بملف الأسلحة الكيميائية نفسه. فمن الذي اتهم حكومة السودان باستخدام هذه الأسلحة وفرض عليها العقوبات؟
إنها الولايات المتحدة الأمريكية، وليس الإمارات.
ففي 22 مايو 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية رسمياً أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024، استناداً إلى قرار اتخذته الإدارة الأمريكية في 24 أبريل من العام نفسه. ولم تكتف واشنطن بإعلان الاتهام، وإنما فرضت عقوبات على السودان دخلت حيز التنفيذ في 27 يونيو 2025، شملت قيوداً على صادرات أمريكية معينة وعلى التمويل والائتمان الحكومي الأمريكي. ثم أعلنت عقوبات إضافية في يوليو 2026 بموجب القانون الأمريكي المتعلق بالأسلحة الكيميائية.
إذن نحن لا نتحدث عن مجرد مقطع فيديو متداول حديثا أو تصريح عابر، وإنما عن قرارات أمريكية رسمية ترتبت عليها إجراءات عقابية فعلية، مع ضرورة التمييز بين القرار الإداري الأمريكي والحكم القضائي الدولي المستقل. وقد نفت الحكومة السودانية والجيش استخدام الأسلحة الكيميائية.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: لماذا انصب الهجوم اللفظي على الإمارات تحديداً، بينما كانت الولايات المتحدة هي الدولة التي أصدرت الاتهام الرسمي وفرضت العقوبات؟ هل يتعلق الأمر باختلاف طبيعة العلاقات الدبلوماسية، أم بحسابات سياسية تفرض على المندوب اختيار لغة مختلفة عند مخاطبة واشنطن؟. فإذا كانت لغة الاحترام والحجة القانونية هي الأنسب للتعامل مع الولايات المتحدة، فلماذا لا تكون هي المعيار نفسه في التعامل مع الإمارات؟
إن المندوب الدائم لا يتحدث بصفته الشخصية، وإنما يمثل دولة بأكملها أمام المجتمع الدولي، وتُسجل كلماته وتُترجم وتُتابع في العواصم المختلفة. وقوة الخطاب الدبلوماسي لا تقاس بحدة الإهانات، وإنما بوضوح الوقائع ودقة الأدلة والقدرة على إقناع الدول الأخرى.
وإذا كان السودان يرفض الاتهامات الأمريكية باستخدام الأسلحة الكيميائية، فإن الرد الأكثر ارتباطاً بجوهر القضية هو تقديم الأدلة الفنية والقانونية التي تدحض تلك الاتهامات، والمطالبة بتحقيق مستقل وفق الآليات الدولية المختصة، بدلاً من تحويل النقاش إلى معركة أوصاف لا تثبت اتهاماً ولا تنفيه.
والمفارقة في سيرة الحارث إدريس أن حكومة المؤتمر الوطني في عهد عمر البشير أحالته للصالح العام لانه حزب امة وأبعدته عن وزارة الخارجية في نوفمبر 1989، ثم جاءت حكومة الثورة الانتقالية فأعادته إلى السلك الدبلوماسي بدرجة سفير في فبراير 2020، ورُشّح خلال الفترة الانتقالية لمنصب مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، عندما كانت مريم الصادق وزيرة للخارجية وهنا يبرز التناقض السياسي الذي يستحق المساءلة: الرجل الذي أبعده نظام البشير وأعادته حكومة الثورة إلى موقعه الدبلوماسي، أصبح اليوم ممثلاً للسلطة التي أنهت الحكم الانتقالي فكيف يفسر هذا التحول في مسيرته ومواقفه؟ وما موقفه من المدنية التي شهدت عودته إلى الخدمة، ومن القوى التي أبعدته منها سابقاً؟
إن الحرب السودانية وما خلفته من قتل ونزوح ودمار تستحق نقاشاً دولياً جاداً يركز على حماية المدنيين ووقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها. كما أن الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية تستحق تحقيقاً مستقلاً وشفافاً، لا أن تضيع وسط معارك الأوصاف والشتائم.
فالدبلوماسية ليست ضعفاً، والاحترام ليس استسلاماً، وارتفاع الصوت ليس دليلاً على قوة الحجة.
أما السؤال الأهم فهو: ماذا أضافت عبارة «اخسؤوا» إلى موقف السودان القانوني؟ وأي دليل جديد قدمه تشبيه دولة أخرى بشِسع نعل كليب؟
إن الأمم المتحدة ليست المكان الذي تُحسم فيه النزاعات بمن يجيد الإهانة أكثر، وإنما المكان الذي يُفترض أن تواجه فيه الدول بعضها بالوثائق والحجج والقانون.
فقد يصفق البعض للشتيمة، لكن التصفيق لا يصنع حجة قانونية، ولا يحل محل الدليل، ولا يمنح دولة حقاً لم تستطع إثباته.

زر الذهاب إلى الأعلى