
محمد الفاتح حضرة
قبل أن نغضب من بعض ما يُكتب أو يُقال في مصر عن السودانيين، يجب أن نقف مع أنفسنا وقفة صدق ومراجعة!!
أولًا… يجب أن نقولها بوضوح وبدون تردد:
شكرًا لمصر… حكومةً وشعبًا!!
لقد استقبلت مصر ملايين السودانيين الفارين من أهوال الحرب، رغم ما تعانيه هي نفسها من تحديات اقتصادية كبيرة يعلمها الجميع.
فتحت حدودها، واستقبلت النساء والأطفال وكبار السن، وقدمت عبر المعابر كثيرًا من أوجه الرعاية والمساعدات الإنسانية، ثم احتضنت المدن والقرى المصرية ملايين السودانيين، فوجد كثير منهم الأمن بعد الخوف، والمأوى بعد التشرد، والتعليم لأبنائهم، والعلاج، وفرصة للعمل والعيش الكريم.
ولقد أثبتت الدولة المصرية ومؤسساتها، كما أثبت الشعب المصري الكريم، أن العلاقة بين مصر والسودان ليست مجرد علاقة جوار، وإنما علاقة تاريخ ومصير وأخوة امتدت عبر قرون طويلة.
وهذا معروف لا يجوز إنكاره، ولا يجوز أن ننساه عند أول إساءة فردية أو حملة إلكترونية أو خلاف عابر.
لكن… يجب أيضًا أن نعترف بالحقيقة!!
لقد أحدثت الحرب في السودان انهيارًا أمنيًا واسعًا، ورافقها خروج عدد من النزلاء من بعض السجون، وانتشار السلاح، وتفكك مؤسسات الدولة، وهو ما أتاح لبعض العناصر الإجرامية التحرك داخل السودان وخارجه.
وكانت مصر، بحكم الجوار الجغرافي، الوجهة الأولى لأعداد كبيرة من الفارين من الحرب، ومن بينهم – كما يحدث في كثير من الحروب – أفراد استغلوا حالة الفوضى للهروب من الملاحقة أو لمواصلة أنشطتهم الإجرامية.
كما نزحت إلى مصر فئات اجتماعية متنوعة لم يسبق لبعض أفرادها العيش خارج السودان، ولم يكونوا على دراية بطبيعة المجتمع المصري المحافظ، ولا بالأعراف التي تحكم الحياة العامة فيه. فظهرت من قلة منهم سلوكيات أساءت إليهم وإلى سمعة السودانيين، من تجمعات صاخبة، أو تصرفات مخالفة للقانون أو للذوق العام، أو أعمال تسول، أو انخراط بعض العناصر في شبكات إجرامية.
وتشير تقارير متعددة إلى أن بعض العصابات الإجرامية استغلت ظروف الحرب والنزوح لإعادة تنظيم نشاطها، وكان ضحاياها في كثير من الأحيان سودانيين قبل غيرهم.
ولا يمثل هؤلاء الشعب السوداني، ولكنهم كانوا سببًا في تشويه الصورة الجميلة التي عرف بها السودانيون عبر عشرات السنين.
ثم دعونا نسأل أنفسنا سؤالًا مؤلماً!!
كيف كان تعاملنا نحن داخل السودان مع ملايين النازحين من إخوتنا وبني جلدتنا السودانيين؟!!
لقد رأى الناس صورًا مؤلمة لاستغلال معاناة النازحين، وارتفاعًا كبيرًا في الإيجارات، واستغلال حاجة الناس، وبيع السلع بأضعاف أسعارها، في الوقت الذي كانت فيه نماذج التكافل موجودة أيضًا ولا يجوز إنكارها.
لكن يبقى السؤال:
إذا كان بعضنا قد قصر في حق إخوانه السودانيين، فبأي حق ننكر فضل شعب ودولة احتضنا ملايين اللاجئين من خارج حدودهما؟!!
من حق مصر أن تحمي أمنها ومجتمعها!!
من حق أي دولة ذات سيادة أن تنظم وجود الأجانب على أراضيها، وأن تطبق قوانينها بما يحفظ أمنها واستقرارها.
والسودان نفسه يتخذ اليوم إجراءات بحق بعض الأجانب المخالفين لقوانينه..
ولذلك لا ينبغي أن يغضب أحد إذا قامت مصر أو غيرها بما تراه لازمًا لحماية أمنها، متى كان ذلك في إطار القانون.
لكن السؤال الأكبر هو… من الذي أوصل السودانيين إلى أبواب اللجوء؟!!
هل هي مصر؟!!
أم هي هذه الحرب العبثية التي اندلعت بعد أن دخل طرفا المؤسسة العسكرية السودانية في صراع دموي على السلطة، فدُمرت المدن، وشُرد الملايين، وفقد الناس الأمن والكرامة، وتحول السوداني إلى لاجئ يبحث عن مأوى في بلاد الآخرين؟!!
من الظلم أن نلوم الدول التي فتحت أبوابها لنا، بينما نعفي من تسببوا في أصل المأساة من النقد والمحاسبة.
وللأسف، ما زال بعض اللاجئين يوجهون غضبهم إلى الدول التي استضافتهم، بينما يستمرون في الانحياز لهذا الطرف أو ذاك من أطراف الحرب، مع أن وقف الحرب وإنهاء أسبابها هو الطريق الحقيقي لعودة كل سوداني إلى وطنه.
رسالة أخيرة إلى إخوتي السودانيين!!
لا تجعلوا مصر شماعة نعلق عليها أخطاءنا..
اشكروا مصر حكومةً وشعبًا على ما قدمته، واحفظوا جميلها، كما احفظوا جميل كل دولة أخري احتضنت السودانيين في محنتهم.
واعترفوا بأخطائنا قبل أن نطالب الآخرين بالاعتذار.
الشعوب الاصيلة الكريمة لا تخجل من قول كلمة شكرًا، ولا تخجل من قول لقد أخطأنا ويجب أن نصلح أخطاءنا..
🛑 إن المأساة الحقيقية التي يعيشها السودانيون ليست هي التي في مصر، وإنما هي هذه الحرب التي دمرت السودان، وشردت شعبه، وأساءت إلى سمعة السودانيين في كل مكان.
🛑 اللهم احفظ مصر وأهلها، واحفظ السودان وأهله، وألف بين قلوب الشعبين، واجزهما عن بعضهما خير الجزاء.
#السودان #مصر #أوقفوا_الحرب #العلاقات_السودانية_المصر



