أهمية الدبلومات المتخصصة في التشريعات الضريبية وأثرها على الدولة دراسة في فقه التأهيل الضريبي

بقلم د حسام راضي أحمد عبد الباقي
هل التأهيل العلمي المتخصص في التشريعات الضريبية- عبر إنشاء دبلوم اكاديمي حاجة كمالية تُضاف إلى السيرة الأكاديمية، أم ضرورة بنيوية تمس شرعية النظام الضريبي ذاته وقدرته على تحقيق العدالة التوزيعية؟
و الإجابة تستدعي تجاوز النظرة الإدارية الضيقة للدبلوم بوصفه شهادة، نحو مقاربة فقهية تُحلّل وظيفته في بنية الدولة الضريبية الحديثة.د
أولاً: استجابة لتعقّد التشريع لا لترف أكاديمي
لم يعد التشريع الضريبي نصاً ساكناً يكفيه الإلمام القانوني العام. فمنذ تأصيل شومبيتر لمفهوم “الدولة الضريبية” (Joseph Schumpeter, Die Krise des Steuerstaats, 1918)، الذي بيّن أن الدولة الحديثة تستمد وجودها المالي من قدرتها على فرض الضريبة وتحصيلها بكفاءة، مروراً بتطوير تيبكه لنظرية الاتساق التشريعي (Klaus Tipke, Die Steuerrechtsordnung) التي تشترط أن يكون كل استثناء ضريبي مبرَّراً منطقياً بالنسق العام للنظام لا مجرد قرار سياسي عابر، بات التشريع الضريبي نسقاً دينامياً متغيراً تتقاطع فيه القاعدة المحاسبية بالنص الدستوري بالاتفاقيات الدولية لتجنب الازدواج الضريبي. والنموذج الألماني يجسّد هذا الوعي عملياً عبر تنظيم مهنة “Steuerberater” بقانون مستقل (Steuerberatungsgesetz) يفرض تأهيلاً متخصصاً مسبقاً كشرط للممارسة، ويحظر على غير المؤهلين تقديم الاستشارة الضريبية أصلاً، خلافاً للنموذج المصري الذي ما زال يسمح بممارسة الاستشارة الضريبية دون اشتراط صارم مماثل، بما يُبقي الباب مفتوحاً أمام ممارسة غير منضبطة معرفياً
ثانياً: من التطبيق الحرفي إلى الفهم الغائي للنص
غياب التأهيل المتخصص يُنتج، في الممارسة العملية، ظاهرة “التطبيق الحرفي الأعمى” للنص الضريبي، حيث يُعامَل النص بوصفه أمراً تقنياً مجرداً عن غائيته، فيغيب عن الممارس القدرة على التمييز بين الإعفاء الهيكلي (Systemsteuerbefreiung) الذي يعكس فلسفة تشريعية ثابتة، وبين الإعفاء الاستثنائي (Ausnahmeregelung) المؤقت القابل للسحب، أو عن استيعاب نظرية التحايل الضريبي (Scheingeschäft) بموجب المادة 42 من القانون الضريبي العام الألماني (Abgabenordnung) وموازناتها في الفقه المصري. وهذه التصنيفات أصّل لها بول كيرشوف (Paul Kirchhof) في كتاباته حول العدالة الضريبية والدستور المالي، مؤكداً أن الدستور لا يفرض ضريبة عادلة بذاته، بل يترك للمشرّع وللمؤوّل مهمة تفعيل هذه العدالة عبر التطبيق الدقيق والدبلوم الأكاديمي ينقل الممارس من موقع “منفّذ النص” إلى موقع “المؤوّل الواعي بمقاصده”، وهو انتقال نوعي جوهري، إذ إن سوء تأويل النص أخطر أثراً من غموضه؛ فالغموض يُصحَّح بالاجتهاد القضائي اللاحق، بينما سوء التأويل يترسّخ ممارسة إدارية مستقرة يصعب تفكيكها بعد رسوخها
ثالثاً: الأثر على الدولة
على مستوى الحصيلة العامة، يقلّص الكادر المؤهل هامش المنازعات الناشئة عن سوء الفهم لا عن التعمد، فيُخفّض كلفة التقاضي الضريبي على الدولة ويُسرّع تحصيل الحصيلة المستحقة دون إطالة أمد المنازعة أمام القضاء الإداري. وعلى مستوى الامتثال الطوعي (Tax Compliance)، تُظهر أدبيات العدالة الإجرائية الضريبية- على نهج كلاوس فوجل (Klaus Vogel) في تعليقه المرجعي على قانون ضريبة الدخل الألماني، الذي ربط شرعية الضريبة بوضوح تطبيقها لا بمجرد صحة نصها- أن ثقة الممول في عدالة التطبيق متغيّر حاسم في سلوكه الضريبي، بل قد يكون أحياناً أكثر حسماً من صرامة العقوبة ذاتها في ردع التهرب.
وعلى مستوى الشرعية الدستورية للنظام الضريبي في مجمله، فإن التأويل المتخصص الرصين هو الضمانة العملية الوحيدة لتفعيل مبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، إذ لا قيمة لمبدأ دستوري سامٍ إن تولّى تطبيقه من لا يستوعب مقتضياته الفنية الدقيقة
ختاما القول إن الدبلوم المتخصص في التشريعات الضريبية ليس مؤهلاً لتحسين السيرة الذاتية للممارس الفرد، بل هو- في جوهره الوظيفي- أداة سيادية تضمن اتساق تطبيق السياسة المالية للدولة مع مقاصدها التشريعية والدستورية. وكل استثمار في هذا التأهيل هو، من زاوية فقه المالية العامة، استثمار مباشر في كفاءة الدولة الضريبية ذاتها، لا في الفرد وحده



