
بقلم: إسماعيل السيد أحمد
الجزء الأول
تبرز أهمية دراسة المعجم الشعري لأشعار الشاعر/ محمد البشير عتيق (1909 – 1992م) في كونها تمثّل مدخلاً مهماً لفهم البنية النصية لأشعاره، إذ إنها لا تتعامل مع المفردات لمجرد أنها عناصر لغوية فحسب، بل تعتبرها مدخلاً دلالياً لفهم النص الشعري لقصائده واكتشاف مدى استيعابه للتغيرات التي حدثت من حوله على الصعيدين المحلي والعالمي، ومقدرته في التعبير عنها برؤى جمالية تخلّد تجاربه الشعرية.
يتطلع هذا المقال إلى البحث في تجليات الحداثة في المعجم الشعري للشاعر/ محمد البشير عتيق من خلال تحليل العديد من اشعاره الغنائية -دون سواها-، والوقوف على مقدرته في استخدام وتوظيف مفردات عصرية في شعره، وخلق أنساق تعبيرية جديدة تعكس تعابير جمالية لتجربته الشعرية في سياقها السياسي، والاجتماعي، والثقافي، والعلمي.
على سبيل المثال، في قصيدة “حلمك يا جميل” التي لحنها وأدها الفنان/ عبد الكريم عبد الله مختار (كرومة) وظّف الشاعر مفردة <> والتي تستخدم كلقب بروتوكولي تاريخي نشأ في أواخر العهد العثماني، وانتقل إلى عدد من الدول العربية للدلالة على رفعة المنصب الدستوري، إذ يُقال: – دولة رئيس مجلس الوزراء، دولة رئيس الجمهورية -، ففي القصيدة المذكورة (أعلاه)،جعل الشاعر لمفاتن المحبوبة سلطة طاغية ومملكة عظيمة يخضع لجبروتها طائعاً كل عاشق رفيع المنزلة، سامي المكانة، فيتنازل طوعاً واختياراً عن إِباء شموخه، وعزة نفسه لدولة صبا المحبوبة.
كل بطل مهاب لي قدر الجليل ** لي دولة صباها يتواضع ذليل.
يكشف توظيف الشاعر لمصطلح «دولة» بدلالته البروتوكولية عن النزوع إلى تسييس الخطاب الغزلي، إذ إنه أعاد تمثيل العلاقة بين العاشق والمعشوق وفق ثنائية الحاكم والمحكوم، بما توحي به من مراتب السيادة والخضوع، والسلطان والانقياد، وهو ما يضفي على التجربة العاطفية بُعداً رمزياً يتجاوز معناها المباشر. ويكسب العلاقة العاطفية قوة خاصة تجمع بين رمزية السلطة ولذة الخضوع الاختياري، الامر الذي يعمق الأثر الوجداني في النفس، ويمنح القصيدة قدراً من الثراء الدلالي.
وكذلك وظّف الشاعر عبارة <> بذات المحمول البروتوكولي في قصيدته “بين اشتياقي وصدها” التي لحنها وغناها الفنان/ كرومة 1937، حينما طلب من النسيم أن يعجَّل في سيره ليصل إلى <> في مملكتها ذات الحضور الأنثوي الطاغي في أبهى صور الفتنة والجمال، والعيش في كنف السؤدد والمجد ليبلغها أندى تحياته، طالباً منه مشاهدة مناظر خدها الاسيل وذلك بعد قبولها لتحيته (بعد التحية وردها).
هب يا نسيم خطوات مسيرك جدّها** للتائهة في دولة صباها ومجدها
بعد التحية وردها شاهد مناظر خدها
في قصيدة “شاغل فكري حبك” والتي كتبها الشاعر في العام 1939 إِبّان الحرب العالمية الثانية، استخدم الشاعر مفردة <> في وقت شهد فيه العالم حِدّة الاستقطاب وتشكيّل الأحلاف الدولية الكبرى من قِبل أطراف الحرب (دول الوفاق -الحلفاء-، دول المحور). ووقتها أعلن الشاعر رغبته في الحياد في المعركة دائرة الوطيس بين حبه من جانب ومحبوبته من جانب أخر، وعدم الانحياز لأي طرف من أطراف الحرب، على الرغم من تعدّي اسطول عيونها السافر عليه، بقوله:
قصدي اكون محايد وتبعد عني حربك ** بي اسطول عيونك بي توال ضربك
استدعى الشاعر في قصيدته “اذكريني يا حمامة” التي لحنها وتغنى بها الفنان/ عبد الحميد يوسف لمفردة <> كمصطلح دال على نَّوَاله للعلامة التجارية في الحب (Lovemark)، مؤكداً تفرده في ارتباطه العاطفي العميق، وتميزه في ولائه المطلق الذي يتجاوز مجرد وصفه بأنه مجرد مُحِبّ عادي، بل يتجاوزه باعتبار أن حبه تميز عاطفياً ووجدانياً بالاستثنائية عن حب الاخرين، ولذا أضحى حبه علامة فارقة في الحب تُعرِّفه وتميّزه عن سائر العشاق، إذ إنه لا يضعفه الهجران، ولا يوهنه الحرمان.
فيم هجراني وعلاما** يا الهواك بقي لي علامة
في عام 1942، وظّف الشاعر مصطلح <> (Sensors) في قصيدته «الرشيم الأخضر» التي غنّاها الفنان كرومة، مستهدفاً بهذا المصطلح التقني المستشعرات بوصفها حواس للأنظمة الهندسية تتلقى البيانات من محيطها، ثم ترسلها إلى العقل المُدبِّر (PLC) لاتخاذ القرار المناسب بدقة وآلية عالية.
وقد أضفى الشاعر على هذا المصطلح بُعداً رمزياً جمالياً، عندما جعل للحب مستشعرات -حساسات- (Proximity Sensors) ترصده وتمنع الاقتراب من المحبوبة، خشيةً من انكشاف شيوع حبهما بين الناس، وذلك امتثالاً لقيود المجتمع وتقاليده التي كانت ترى في الحب خروجاً عن العادات والتقاليد والأعراف، ولذا كان الحب مقموعاً ومكبوتاً في تلك المجتمعات آنذاك.
مين سواك يتحسر في فؤادي ** وحبك ليه عامل سنسر
في قصيدة “في غفلة رقيبي” التي الفها الشاعر في العام 1970 عند زيارته إلى محبوبته التي كانت تعاني من مرض الانفلونزا. اختلس الشاعر النظر لرؤية جمال حُسنها، والانغماس في سحر مفاتنها، وجدت المحبوبة نفسها بين مطرقة إطرائه وسندان حيائها، ولذا خاطبته بحديث الدبلوماسي المهني الذي يتسم بلغته الرقيقة، وبلطفه التام، وكياسته المعهودة.
من حسنه اختلست ** في سحره انغمست
بحديث دبلوماسي ** قال لي نوري ماسي
واحذر التماسي
باستلهام الشاعر لعبارة <> في الأبيات السابقة، شكّل لنا مشهداً من الرفض المهذب، الذي غُلف بأقصى عبارات اللطف وفطنة الايحاء، وفي ذات الوقت يحمل في طياته موقفاً حاسماً من الكف عن لغة الاعجاب.
قال لي: انت عاقل** و ما في لزوم تشاغل
وبحسه الوظيفي استخدم الشاعر مصطلح <> في قصيدته “هل تدري يا نعسان” التي لحنها وتغنى بها الفنان/كرومة في العام 1942، بمدلوله الاداري والذي يعني التعميم الرسمي الصادر من جهة رسمية، ويحتوي على قرارات أو توجيهات تُوزع على المؤسسات أو الأفراد.
ﻣﻨﺸﻮﺭ ﻫﻮﺍﻙ ﻟﻲ ﺿﻨﺎﻱ** ﻳﺎﺣﺒﻴﺒﻲ ﺻﺎﺩﺭ
يُضفي الشاعر باستخدامه لمفردة<> على المحبوبة هيبة الحاكم أو جهة العليا ذات السلطة النافذة التي تُصدر الأوامر والقرارات، وبإصدار المحبوبة لمنشور الهوى الذي قضي بأن يكون نصيبه من حبها الضنى والسقم (منشور هواك ﻟﻲ ﺿﻨﺎﻱ)، فكأن تحمله لعذابات الحب لم يعد حادثاً عارضاً، بل صدر بمرسوم نافذ لا يقوى على مقاومته، ولا يفلح في مراجعته.
وفي قصيدة “قضينا ليلة ساهرة” التي نظمها الشاعر بمناسبة زواج صديقه العربي البارودي عام 1942م، ايضاً استعار الشاعر لغة السلطة والإدارة باستخدامه لمفردة <> ليصور الحب بسطوة السلطان، فيتحول الهوى إلى مرسوم نافذ، وتتحول اهوال العشق إلى أثر قانوني لذلك المرسوم.
منشور بيانه مره** للعربي البارودي التهاني مستمرة
وفي تكافؤ وجداني خارج عن معادلات الحب المألوفة، حيث لا يُكرّم فيها الفائز ولا يُزدَرى فيها المهزوم، استخدم الشاعر مفردة <> في قصيدته “بي شوفته يفرحني” التي لحنها وأداها الفنان/ كرومة، ناشداً باستخدامها الشاعر الحب المثالي القائم على مشاركة المشاعر وتوازن العلاقة، دون أن تكون الغالبة لأحد طرفيه.
لشعورنا نتبادل** وفي غرامنا نتعادل
فإن كلمة «نتعادل» ذات المدلول الرياضي تمثل فلسفة الشاعر في الحب في هذه القصيدة؛ فهو ليس علاقة يفيض فيها أحد الطرفين بالعاطفة بينما يكون نصيب الآخر منها التلقي، وإنما هو توازن وجداني كامل، تتساوى فيه القلوب في المحبة، كما تتساوى الفرق المتنافسة في النقاط في مبارياتها، فيغدو الغرام ميثاقاً لتكافؤ المشاعر المتبادلة، ولتساوي العطاء العاطفي.
نستعرض في الجزء الثاني من المقال العديد من النماذج للتدليل إلى ما ذهبنا إليه.



