الأعمدة

الفرق ما بين عقلية التعمير… وشهوة التدمير!

الزيارة التي يقوم بها اليوم الرئيس الفرنسي ماكرون إلى سوريا، مصطحبًا وفدًا كبيرًا من الوزراء ورجال الأعمال والمستثمرين، تؤكد أن المصالح في عالم اليوم لا تعادي الأفكار في حد ذاتها، وإنما تتحفظ على الأفعال التي تفرزها تلك الأفكار متى ما انزلقت إلى رعاية الإرهاب أو تهديد أمن المجتمعات.
ورغم وقوع انفجارين محدودي الأثر في محيط منطقة إقامة الرئيس الزائر بالعاصمة دمشق، فإن الوفد الفرنسي قرر المضي في برنامج الزيارة، في رسالة مفادها عدم الرضوخ لمثل هذه الأعمال العبثية التي أراد منفذوها إفساد الزيارة، أو ترسيخ انطباع بأن الأمن لم يعد بعد إلى سوريا، بما قد يعرقل انفتاحها على العالم ويؤجل فرص التعاون معها.
ومما يُحسب للقيادة السورية الجديدة، رغم خلفيتها الجهادية السابقة، أنها انتهجت سياسة براغماتية سعت إلى الموازنة بين مرجعيتها الفكرية ومتطلبات الدولة ومصالح شعبها، فاختارت الانفتاح على العالم بدلاً من الجمود في مواقف راديكالية لا تفضي إلا إلى مزيد من العزلة. فالدول لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى باستقرار يجذب الاستثمار، وسياسات تفتح أبواب التنمية، ورؤية تجعل مصلحة الوطن فوق حسابات الأيديولوجيا.
ولعل في هذا التحول السوري رسالة تستحق التأمل في بلادنا الجريحة، حيث لا يزال دعاة الحرب يراهنون على استمرار القتال باعتباره طريقًا للخلاص، ولو كان ثمن ذلك خراب الوطن، وهلاك الإنسان، واتساع دائرة العزلة عن عالم لا ينظر اليوم إلا إلى بيئات الاستقرار والسلام، لأنها وحدها القادرة على حماية المصالح وصناعة المستقبل.
فالفرق بين عقلية التعمير وشهوة التدمير، هو الفرق بين من يجعل السلام وسيلة لبناء الدولة، ومن يجعل الحرب غاية ولو انتهت إلى أنقاض وطن.
والله من وراء القصد .

زر الذهاب إلى الأعلى