لماذا لم يعد ملايين اللاجئين السودانيين إلى وطنهم؟! هل هربوا من الوطن… أم هربوا من حربٍ ليست حربهم؟!!

✍️ بقلم: محمد الفاتح حضرة
كلما قرأت تعليقًا من بعض الأشقاء في مصر أو غيرها يقول:
“إرجعوا الي السودان… دافعوا عن وطنكم… الجيش السوداني يحتاج إليكم.”
أتوقف قليلًا…
ثم أسأل نفسي:
هل يعرف هؤلاء حقيقة ما جرى في السودان؟!
وهل يعلمون لماذا أصبح ملايين السودانيين لاجئين داخل السودان وخارجه؟!
وهل يعرفون أصلًا كيف بدأت هذه الحرب؟!
وهل يعلمون أن أغلب هؤلاء اللاجئين كانوا حتى الأمس القريب يعيشون حياة طبيعية في الخرطوم وأم درمان وبحري ومدني والأبيض ونيالا والفاشر وغيرها من المدن، ثم وجدوا أنفسهم فجأة بلا دولة، وبلا أمن، وبلا منزل، وبلا مصدر رزق؟!
إن هذا المقال لا أخاطب به السودانيين…
فالسودانيون يعرفون كثيراً من هذه التفاصيل.
🫵وإنما أخاطب به الأشقاء في مصر، وفي غيرها من الدول التي إستضافت اللاجئين السودانيين، حتى لا يحكموا على مأساة معقدة من خلال مقطع فيديو، أو منشور في وسائل التواصل الاجتماعي، أو خطاب تعبوي يصور الحرب وكأنها مجرد معركة بين وطنية وخيانة.
فالحقيقة…
أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
🛑 الحقيقة الأولى…
الحرب لم تبدأ في 15 أبريل 2023
من أكبر الأخطاء التي يقع فيها المتابع غير السوداني أنه يعتقد أن الأزمة بدأت يوم 15 أبريل 2023.
والحقيقة…
أن ذلك اليوم لم يكن بداية الأزمة…
بل كان بداية إطلاق النار فقط.
أما بداية الانهيار السياسي، فقد كانت قبل ذلك بعامين تقريبًا، عندما نفذ الجيش وقوات الدعم السريع معًا انقلاب 25 أكتوبر 2021، وأوقفا مسار الانتقال المدني الذي جاء بعد ثورة ديسمبر المجيدة، وأطاحا بالحكومة الانتقالية برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك.
ومنذ ذلك اليوم…
لم يعد السودان يُدار عبر مؤسسات مدنية منتخبة…
بل عاد الحكم الفعلي إلى القوة العسكرية والامنية السودانية الجيش والدعم السريع .
وهنا يجب أن يفهم القارئ غير السوداني حقيقة ربما تغيب عنه…
🫵الجيش والدعم السريع لم يكونا عدوين…
بل كانا شريكين في تنفيذ الإنقلاب…
وشريكين في إدارة الدولة…
وشريكين في مواجهة القوى المدنية التي طالبت بإستكمال الانتقال الديمقراطي.
ولهذا…
فإن فهم حرب 15 أبريل لا يمكن أن يبدأ من 15 أبريل…
بل يجب أن يبدأ من 25 أكتوبر 2021.
🛑 الحقيقة الثانية…
الجيش والدعم السريع… لم يكونا عدوين أصلًا
حين يسمع غير السوداني عبارة:
“الجيش يحارب الدعم السريع.”
قد يتخيل أن الطرفين كانا متخاصمين منذ سنوات.
🧐🫵 ولكنَّ الوقائع التاريخية تحكي صورة مختلفة تماماً..
فقوات الدعم السريع لم تظهر فجأة من خارج الدولة…
بل تعود جذورها إلى ميليشيات الجنجويد التي أسسها عمر البشير قائد الجيش ورئيس جماعة مايسمي بالحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني، أسس ميليشيا الجنجويد لأجل استخدامها في حرب دارفور ضد الحركات الدارفورية المتمردة وضد القبائل والحواضن الإجتماعية لهذه الحركات الدارفورية الزنجية الافريقية ، ثم تطورت لاحقًا ميليشيا الجنجويد ، وأصدر قائد الجيش بواسطة البرلمان والمجلس التشريعي قانون ينظمها تحت إسم: قوات الدعم السريع..
لتصبح قوة نظامية مستقلة لها قيادتها وهيكلها وتمثل أحد طرفي المؤسسة العسكرية السودانية وفقاً للقانون والدستور.
🫵وبالتأكيد خلال تلك السنوات…
لم يكن الجيش يحارب الدعم السريع…
بل كان الطرفان يعملان معاً داخل المنظومة العسكرية والأمنية للحزب والجماعة الحاكمة للسودان جماعة الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني .
ثم عبر المجلس العسكري الانتقالي شاركا معاً في إدارة السودان بعد سقوط نظام عمر البشير في العام 2019.
ثم شاركا معاً لاحقاً في تنفيذ إنقلاب 25 أكتوبر 2021 ضد قوي ثورة ديسمبر وإنفردا بالحكم والسلطة والثروة وأعادوا صلاتهم القديمة بجماعة الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني ، بل واعادوا تمكينهم من بعض مفاصل السلطة والحكم ‼️
ثم في 15 أبريل 2023…
وقع الخلاف بين هذين الشريكين ..
ولذلك…
فإن هذه الحرب ليست حرباً بين عدوّين تاريخيين…
🫵بل هي حرب بين شريكين سابقين إختلفا على مستقبل السلطة والحكم والثروة.
🫵وهذه الحقيقة وحدها تغير طريقة فهم الحرب كلها.
🛑 الحقيقة الثالثة…
مفارقة اليمن… التي تكشف الوجه الآخر للعلاقة بين الجيش والدعم السريع!! 🧐
إذا أردت أن تعرف طبيعة العلاقة الحقيقية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع…
فلا تبدأ بالخرطوم…
بل انظر إلى اليمن.
قبل أكثر من عشر سنوات، شارك السودان في عمليات التحالف العربي في اليمن.
وكانت القوات السودانية المشاركة تضم وحدات من الجيش، ووحدات من قوات الدعم السريع.
كانوا هناك…
يقاتلون جنبًا إلى جنب…
وليس بعضهم ضد بعض.
ثم…
اشتعلت الحرب في السودان يوم 15 أبريل 2023.
لكن المفارقة العجيبة…
أن الحرب داخل السودان لم تُلغِ بصورة تلقائية كل أوجه التعاون العسكري المرتبطة بالمشاركة السودانية في اليمن.
وهنا يقف المتابع أمام سؤال كبير:
كيف يمكن لقوتين تقتتلان في الخرطوم… أن تكونا قد عملتا سنوات طويلة ضمن قوة عسكرية واحدة خارج السودان؟!
أليس هذا وحده كافيًا ليدفعنا إلى إعادة التفكير في الرواية البسيطة التي تقول إن الجيش والدعم السريع كانا عدوين منذ البداية؟!
🧐 بل تأملوا مفارقة أخرى…
خلال هذه الحرب، ظهرت تباينات في مواقف بعض القوى الإقليمية والدولية تجاه أطراف الصراع السوداني.
ويرى كثير من المحللين أن لكل دولة حساباتها ومصالحها، وأن مواقفها تتأثر برؤيتها لأمن المنطقة ولمصالحها الإستراتيجية، ولذلك لا يمكن تفسيرها بمنطق الأبيض والأسود.
وهنا تظهر حقيقة السياسة…
لا توجد عداوات دائمة…
ولا تحالفات دائمة…
إنما توجد مصالح دائمة.
ولهذا…
فإن من يحاول فهم حرب السودان بعقلية التصريحات وما تقوله المنصات فقط…
لن يفهمها أبداً.
لأن السياسة لا تتحرك بالعواطف…
بل تتحرك بالمصالح..
وتستخدم كل الوسائل بما في ذلك الكذب والبهتان والتضليل ‼️💢
🛑 الحقيقة الرابعة…
من الذي يدفع ثمن هذه الحرب؟
ليس الجنرالات…
وليس الساسة…
بل المدنيون.
الذين خرجوا صباحاً إلى أعمالهم…
فعادوا ليجدوا بيوتهم مقصوفة…
أو محترقة…
أو محتلة.
بعد عدة أسابيع وشهور ، خرجت ملايين الأسر من الخرطوم وأم درمان وبحري وود مدني ومدن أخرى…
لا لأنها كانت تبحث عن حياة أفضل…
بل لأنها كانت تبحث عن مكان تبقى فيه على قيد الحياة.
🧐🫵وهنا…
يأتي السؤال الحقيقي…
لماذا بقي هؤلاء خارج السودان؟!
ولماذا لم يحملوا السلاح ويعودوا إلى الحرب؟!
🛑 الحقيقة الخامسة…
لماذا لم يحمل ملايين السودانيين السلاح؟!
حين يسأل بعض الناس:
“لماذا لا يعود اللاجئون إلى السودان ليقاتلوا؟!”
فإن هذا السؤال يفترض ابتداءً أن هذه الحرب هي حرب كل السودانيين.
والحقيقة…
أن ملايين السودانيين لا يرون أنفسهم طرفًا فيها.
فهؤلاء خرجوا في ثورة ديسمبر مطالبين بدولة مدنية، ودستور، وعدالة، وانتخابات، وحكمٍ يقوم على المؤسسات…
ولم يخرجوا من أجل أن يستبدلوا بندقية ببندقية.
ثم وجدوا أنفسهم بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 أمام سلطة عسكرية مشتركة…
ثم وجدوا الشريكين نفسيهما يتقاتلان في 15 أبريل 2023.
فهل يُطلب من المدني الذي خرج مطالبًا بالحكم المدني…
أن يحمل السلاح ليقاتل مع أحد طرفي الانقلاب ضد الطرف الآخر؟!
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح.
🛑 الحقيقة السادسة…
لماذا بقي ملايين اللاجئين خارج السودان؟
حين يقول أحدهم للاجئ السوداني:
“ارجع بلدك.”
فإن أول سؤال يجب أن يجيب عنه هو:
إلى أي سودان يعود؟!
هل يعود إلى بيت نُهب؟
أم إلى مستشفى لا يعمل؟
أم إلى مدرسة أُغلقت؟
أم إلى مدينة انقطعت عنها الكهرباء والمياه والخدمات؟
أم إلى دولة لم تعد قادرة، في مناطق واسعة، على القيام بوظائفها الأساسية؟
لقد خرج ملايين السودانيين لأن الحياة نفسها أصبحت مستحيلة بالنسبة إليهم.
فاللاجئ لا يهرب من وطنه…
بل يهرب من الموت.
🛑 الحقيقة السابعة…
لماذا يبدو كثير من اللاجئين في مصر متعاطفين مع الجيش ومع جماعة مايسمي بالحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني ؟
ولعل هذه نقطة كثيراً ما يُساء فهمها..
إن أغلب السودانيين الذين لجأوا إلى مصر قدموا من الخرطوم وولاية الجزيرة ومدن السودان الكبرى، وهي المناطق التي شهدت معارك واسعة وانتهاكات جسيمة ونزوحًا قسرياً بسبب مافعلته عصابات الدعم السريع ..
ولذلك فمن الطبيعي أن يحمل كثير منهم مشاعر غضب تجاه قوات الدعم السريع بسبب ما تعرضوا له أو ما شاهدوه من أحداث خلال الحرب.
لكن هذا التعاطف مع الجيش، لا يعني بالضرورة أنهم يريدون العودة إلى حمل السلاح أو المشاركة في إستمرار الحرب.
إنه في كثير من الأحيان مجرد تعاطف عاطفي مع المؤسسة العسكرية بوصفها الجيش الوطني، يقابله رفض للانتهاكات التي عاشوها، وفي الوقت نفسه رفض لأن يصبحوا جزءاً من القتال والحرب حول السلطة والثروة والحكم..
ولهذا…
إختاروا طريقًا آخر…
طريق النجاة بأسرهم…
وإعتزال الفتنة ، فلعلها حربٌ كل من شارك فيها، القاتل والمقتول في نار جهنم والعياذة بالله 💢‼️😓
🛑 الحقيقة الثامنة…
لماذا يجب على الإخوة المصريين أن ينتبهوا لما يجري على وسائل التواصل؟!
لقد ظهرت خلال الحرب حسابات ومنصات خبيثة تنشر خطاباً عدائياً بين السودانيين والمصريين.
بعضها ينشر إساءات إلى مصر…
وبعضها ينشر إساءات إلى السودانيين…
والنتيجة واحدة…
🫵زرع الكراهية بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ والمصاهرة والمصالح المشتركة.
ومن الصعب الجزم بمن يقف خلف كل هذه الحسابات، لكن من الواضح أن الخطابات التحريضية تخدم كل من يريد إفساد العلاقة بين الشعبين.
ولهذا…
فإن الحكمة تقتضي ألا نأخذ ما يُنشر على وسائل التواصل بوصفه معبرًا عن الشعب المصري…
ولا عن الشعب السوداني.
فمصر ليست هذه الحسابات…
والسودان ليس تلك الحسابات.
🛑 الحقيقة التاسعة…
لماذا يجب أن يفهم المصريون حقيقة هذه الحرب؟
لأن السودان ومصر ليسا بلدين عاديين تجمعهما حدود فقط..
🫵 بل بينهما تاريخ…
ونيل…
ومصاهرة…
وحركة بشرية لم تنقطع منذ قرون.
وكل محاولة لإشعال الكراهية بين الشعبين…
لن يستفيد منها المصري…
ولن يستفيد منها السوداني…
بل سيستفيد منها كل من يريد إضعاف وادي النيل وتمزيق مصالحه المشتركة.
ولهذا…
فإن حماية العلاقة بين الشعبين…
لا تقل أهمية عن السعي إلى إيقاف الحرب نفسها.
🛑 وأخيراً…
إذا أردت أن تفهم لماذا بقي ملايين السودانيين خارج وطنهم…
فلا تبدأ من سؤال:
“لماذا لم يعودوا؟!”
🫵بل إبدأ بالسؤال الصحيح:
“لماذا خرجوا أصلًا؟!”
🫵لقد خرجوا لأن الدولة إنهارت…
🫵ولأن السلاح أصبح هو الحاكم…
🫵ولأن المدن تحولت إلى ساحات قتال…
🫵ولأن المدني لم يعد يجد أمنًا…
ولا مدرسة…
ولا مستشفى…
ولا مصدر رزق…
ولا مستقبلًا لأطفاله.
ولأنهم، في نهاية المطاف، وجدوا أنفسهم أمام حربٍ بين قوتين كانتا شريكتين في السلطة قبل أن تتحولا إلى خصمين.
ولهذا…
فإن إختزال ملايين اللاجئين في عبارة:
“عودوا وقاتلوا.”
هو إختزال ظالم وخاطيء و لا يشرح المأساة…
بل يتجاهلها.
🛑 إن الفكرة المركزية التي أردت أن أوصلها في هذا المقال بسيطة جداً:
لا تحاكموا اللاجئ السوداني قبل أن تعرفوا لماذا أصبح لاجئًا.
ولا تطلبوا من المدني أن يحمل البندقية قبل أن تسألوا:
من الذي أشعل هذه الحرب؟
ومن الذي عطل الانتقال إلى الحكم المدني؟
ومن الذي جعل ملايين الناس يفقدون بيوتهم وأعمالهم وأمنهم؟
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من البنادق…
بل يحتاج إلى إيقاف الحرب…
واستعادة الدولة…
وحماية المدنيين…
وتهيئة الظروف التي يعود فيها كل لاجئ إلى وطنه آمنًا كريمًا.
فالسوداني…
لا يتمنى أن يموت بعيدًا عن بلده…
ولا يتمنى أن يربي أبناءه في المنفى…
لكنه أيضًا…
لا يستطيع أن يعود إلى وطنٍ غابت فيه الدولة، وحكم فيه السلاح، وأصبح فيه المدني هو الخاسر الأكبر.
🇸🇩 سيعود السودانيون…
ليس عندما يُطلب منهم أن يصبحوا وقودًا لحربٍ لا يملكون قرارها…
بل عندما يعود السودان وطنًا يتسع لجميع أبنائه، وتحكمه دولة، لا فوهة بندقية.
وبعد كل هذا التحليل السياسي والتاريخي… اسمحوا لي أن أخلع عني ثوب القاضي والمحامي والمحلل، وأن أتحدث إليكم بلسان إنسانٍ سوداني عاش هذه المأساة مع أسرته، وما زال يحمل مفتاح وطنه في قلبه..
إسمحوا لي بكلمة من القلب… إلى أهل مصر الكرام 🇸🇩🤝🇪🇬
أيها الإخوة في مصر…
لا تنظروا إلى اللاجئ السوداني بعين السياسة…
انظروا إليه بعين الإنسان.
فوالله…
ما خرج السوداني من وطنه زاهدًا فيه…
ولا راغباً في أن يكون لاجئًا…
ولا طامعًا في أن يزاحمكم في رزقكم..
🫵لقد خرج ذلكم الإنسان السوداني…
لأن الحرب هزمته…
ولأن بيته لم يعد بيتاً…
ولأن مدينته لم تعد مدينته…
ولأن أطفاله كانوا يستحقون فرصةً للحياة..
فغادر بيته تاركاً كل متاع الدنيا، تاركاً كل شيء ‼️😓
لو أنكم رأيتم السودان قبل الحرب…
ثم رأيتم أبناءه اليوم…
لعرفتم أن اللاجئ لا يحتاج إلى من يحاكمه…
بل إلى من يفهم وجعه.
ليس بينكم اليوم ضيفٌ جاء لينافسكم…
بل أخٌ لكم وصهر وجار جاء إليكم هارباً من نارٍ كان يتمنى، والله، لو أنه لم يخرج منها حيَّاً..😓
رغم كل ما أصاب السودان…
ورغم كل ما أصاب السودانيين…
ما زال كثير منهم يحمل في قلبه خصلةً قديمةً لم تستطع الحرب أن تنتزعها…
🫵إنها الكرامة وعزة النفس.
ولهذا ترون منذ اشهر قوافل العائدين من مصر إلى السودان كل يوم…
لا لأن الحرب قد إنتهت…
ولا لأن السودان أصبح آمنًا…
🫵بل لأنهم يستحيون أن يطيلوا المقام ضيوفًا على غيرهم.
إنهم يعودون…
إلى بيوتٍ قد لا يجدونها…
وإلى مدنٍ قد لا يجدون فيها ماءً…
ولا كهرباء…
ولا مستشفى…
ولا مدرسة…
يعودون إلى حربٍ لم تنطفئ نارها بعد..
🫵ومع ذلك…
يعودون مع عائلاتهم.
ليس لأن الحياة قد عادت…
🫵بل لأن كرامتهم كانت أثقل عليهم من الغربة نفسها.
فيا أخي المصري…
إذا رأيت سودانياً يحمل حقيبته عائداً إلى وطنه…
فلا تظن أنه وجد وطنًا آمنًا…
بل اعلم أن قلبه لم يحتمل أن يبقى بعيدًا عن تراب بلده، وأن يكون عبئًا على من أحسن إليه.
وقبل أن تكتب تعليقاً أو كلمةً قاسية في حق لاجئ سوداني…
إسأل نفسك بينك وبين الله:
🧐🤔
ماذا لو كنت أنا مكان هذا اللاجيء وعائلته ؟
هل يرضى الله أن أكون سبباً في دفع أسرةٍ هاربة من الحرب إلى العودة قبل أن تصبح العودة آمنة؟
وهل سأُسأل يوم القيامة…
هل كنتُ عونًا لهذا المكلوم…
أم كنتُ سبباً في زيادة ألمه؟
أيها الإخوة في مصر…
لقد إحتضنتم السودانيين في واحدةٍ من أقسى المحن التي مرَ بها السودان في تأريخه الحديث…
وهذا موقف لن ينساه الشرفاء من أبناء السودان وبناته..
فالشدائد تمضي…
أما المواقف النبيلة…
فتبقى محفوظة في ذاكرة الشعوب…
ومكتوبة عند الله..
🌿أيها الإخوة في مصر…
لا تنظروا إلى اللاجئ السوداني بعين السياسة…
انظروا إليه بعين الإنسان.
فلولا أن الحرب هزمته…
ما ترك أرضًا يحبها…
ولا قبر أمه وأبيه…
ولا ذكريات عمره…
ولا جاء يطرق باب غيره 😭
والله… ما خرج السوداني من وطنه زاهداً فيه…
ولا راغباً في أن يكون لاجئًا ..
خرج لأن الموت كان أسرع إليه من الحياة.
خرج خائفاً يترقب، ثم جاء إلى مصر…
لأنه كان يظنّ – وما زال – أن مصر ليست بلداً غريباً…
بل بيتاً جعله الله أماناً ومأوي للخائفين علي مدي التأريخ من لدن سيدنا ابراهيم الي موسي ويوسف وعيسي…
جاء السوداني الي مصر لأن له فيها أهلًا…
ورحماً..
فإذا ضاقت صدوركم باللاجئين يوماً…
فتذكروا أن الأيام دول…
وأن الله هو الذي قال:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
وقال:
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.
لعل طفلًا سودانياً نام ساعةً آمنًا بينكم في مصر…
يكون شاهداً لكم عند الله يوم القيامة.
ولعل دمعة أمٍ سودانية وجدت الأمان بينكم…
تكون سبباً في أن يرحمكم الله يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وصدقوني…
والله ما من سوداني إلا ويتمنى أن يستيقظ غداً، فيجد الحرب قد إنتهت، فيُقبّل تراب وطنه، ويعود إلى بيته، ثم يظل يشكر مصر، شعباً ودولةً، على ما وجد فيها من أمنٍ وأمان، ويحمل هذا الجميل في قلبه ما بقي من عمره ، بل وينقله الي الأجيال الجديدة..
🤲اللهم أحفظ مصر وأهلها…
وأحفظ السودان وأهله…
وأطفئ نار هذه الحرب…
وأجمع شمل الشعبين على الخير، كما جمع بينهما النيل، والتأريخ، والرحم، والمحبة. 🇸🇩🇪🇬
#السودان
#أوقفوا_الحرب
#اللاجئون_السودانيون
#مصر_والسودان
#لا_للكراهية
#التحول_المدني



