الأعمدة

اتفاقية جوبا: يا أمةً ضحكت من جهلها الأمم.. سلامٌ على كرسي، وجحيم على وطن!

✍️ م.الجعلي عبدالقادر – خبير استراتيجي
شعب يموت.
هذه هي الجملة الوحيدة التي تصف حال السودان اليوم. يموت بالرصاص، يموت بالقذائف، يموت بالجوع، يموت بالمرض، يموت بالعطش، يموت بالحر، يموت بالبرد، يموت بالخوف، يموت بالوحدة تحت شجرة في معسكر نزوح لا يعرف فيه أحد اسمه. يموت بكل طرق الموت الممكنة، إلا موتاً واحداً: الموت على فراشه في بيته بين أهله. هذا الموت صار ترفاً لا يملكه السوداني اليوم.
في هذه اللحظة بالذات، وفيما الجحيم يأكل الأخضر واليابس في الفاشر، وفيما الخرطوم صارت ذكرى، وفيما أطفال دارفور وكردفان ينامون ببطون خاوية توجعهم أكثر من الرصاص، هناك من كان مشغولاً بشيء آخر.
بماذا؟
بكرسي. بمكتب. بمنصب وزارة.
نعم. هذا هو الشاغل. هذا هو الهَمّ. هذا هو الجرح الذي يستحق أن يُفتح له الفم وتُشهر له الأقلام وتُكتب له البيانات!
خرجت علينا بيانات غاضبة. ليست غاضبة على المجاعة. ليست غاضبة على مليوني نازح في العراء. ليست غاضبة على نساء يُغتصبن في وضح النهار باسم الحرب. لا، هذه كلها تفاصيل هامشية في قاموس “السادة”. الغضب الحقيقي، الغضب الذي يستحق أن يُهز له عرش السماء، هو أن وزيراً أُقيل.
أُقيل وزير، فقامت القيامة! أُقيل وزير، فاهتزت “الضمانات الدولية”! أُقيل وزير، فتصدعت “الجبهة الداخلية”!
أي جبهة داخلية تتحدثون عنها يا قوم؟! ومن تبقى في الداخل حتى تخافوا على تصدعه؟! كل الداخل السوداني صار خارجاً. صار نازحاً، لاجئاً، مشرداً، ميتاً. الداخل الوحيد المتبقي هو الداخل إلى جيب الوزير، وإلى رصيده في البنك، وإلى مستقبل أولاده في مدارس أوروبا. هذا الداخل بالتحديد هو الذي يُراد حمايته. هذا هو “تماسك الجبهة” الذي تندبونه.
اتفاقية جوبا، منذ اللحظة التي وُلدت فيها مشوهة، لم تكن يوماً سلاماً. كانت ورشة نجارة سياسية، صُنعت فيها كراسي فخمة من خشب القصر، على حساب عظام السودانيين. كانت عملية توزيع غنائم كبرى، غُلفت بغلاف “إنصاف المهمشين”. والمصيبة أن الشعار كان ذكياً بما يكفي ليخدع البسطاء: “نحن مهمشون، أعطونا”. وأُعطوا. أُعطيتم مفاصل الدولة كلها. أُعطيتم خزائن المال. أُعطيتم حق تقرير من يعيش ومن يموت اقتصادياً. وماذا أعطيتم الشعب المهمش الحقيقي الذي خرجتم من بين ظهرانيه؟ أعطيتموه الوعود. واليوم، أين هو هذا الشعب المهمش؟ إنه يموت جوعاً في زمزم، في كالما، في أبو شوك. يموت تحت قصف لم يرحم طفلاً ولا شيخاً. يموت بصمت، لأن صوته لا يصل إلى “أسياد الاتفاقية”، ولأنه لا يملك “مادة 8.3” تحميه من الموت!
المادة 8.3. حفظناها عن ظهر قلب. صارت نكتة سوداء في الشارع. صارت لعنة. صارت الوثن الجديد الذي يُعبد من دون الله في هذا البلد. هذه المادة ليست نصاً قانونياً يا سادة. هذه المادة بوليصة تأمين على الكرسي. إعلان دستوري بأن الشعب قد يموت، والدولة قد تسقط، والخريطة قد تتغير، لكن الكرسي باقٍ. الكرسي أبدي. الكرسي مقدس.
ولنسأل سؤالاً بريئاً: هل نصت اتفاقية جوبا على حماية المواطن من الموت جوعاً؟ هل نصت على حمايته من القصف؟ هل نصت على حمايته من الاغتصاب؟ هل نصت على حمايته من التشرد؟ لا. ليس هناك مادة واحدة تقول: “يُحظر على الدولة أن يموت فيها مواطن جوعاً”. ليس هناك مادة واحدة تقول: “كرامة المواطن فوق كل اعتبار”. لأن كرامة المواطن لم تكن على طاولة المفاوضات يوماً. الذي كان على الطاولة هو: من يأخذ ماذا. من يحصل على أي وزارة. من يسيطر على أي مورد.
فلما جئت اليوم، في زمن الحرب والدمار، لتُقيل وزيراً فشل فشلاً ذريعاً في إدارة شؤون البلاد، وأفقر الناس، وأذلهم، وأغرق اقتصادهم في وحل لا قرار له، وقفوا في وجهك بالمادة 8.3. قالوا لك: “لا يجوز! هذه حصتنا! هذا اتفاق! هذه ضمانات دولية!”.
وكأن الوطن كله صار مجرد “حصة”.
هنا مربط الفرس. هنا العار الأكبر. العار ليس في اتفاقية جوبا وحدها. العار في العقلية التي أنتجتها. العقلية التي ترى السودان غنيمة. العقلية التي حوّلت الدولة إلى مزرعة، والوزارات إلى أحواض، والشعب إلى أقنان يعملون ليأكل السادة. العار أن تستبدل وصاية بأخرى، وتمكيناً بتمكين. أن يُقال للمواطن: كنت في الماضي تدفع ثمن سيّد، واليوم ستدفع ثمن عشرة أسياد، باسم “السلام” و”الاتفاقية”!
واسمعوا الصمت. الصمت الرهيب.
أيعقل أن تمر كل هذه المجازر دون بيان واحد يستنكر؟ أيعقل أن يُباد إقليم كامل، وتُحرق مدن عن آخرها، ولا يصدر عن هؤلاء “الشركاء في الوطن” صوت واحد يطالب بوقف الحرب؟ أيعقل أن يُسرق غذاء النازحين، وتباع المعونات في الأسواق، ويُتاجر بجوع الناس، ولا تهتز لهم شعرة؟ أيعقل أن يُقتل السوداني بالرصاص وبالجوع معاً، فلا نسمع إلا صرير الأقلام وهي تكتب بيانات الغضب على… إقالة وزير؟!
إن هذا الصمت على الجرائم، وهذا الصراخ على الكراسي، يثبتان بما لا يدع مجالاً للشك أن الاتفاقية لم تصنع “شركاء في الوطن”، بل صنعت “شركاء في الغنيمة”. والفرق بينهما كالفرق بين السماء والأرض. شريك الوطن يبكي إذا نزف الوطن دماً. شريك الغنيمة يبكي إذا أُخذت منه الغنيمة. شريك الوطن يحمي الأرض والعرض. شريك الغنيمة يحمي المادة 8.3.
أيها السودانيون، لا تخدعكم البيانات. لا تخدعكم لغة “الضمانات” و”الخرق” و”الشراكة”. هذه كلمات كبيرة أُفرغت من معانيها، وصارت مجرد ترساتٍ خلفها تختبئ المصالح. إن من يبكون على المنصب اليوم، ولم يذرفوا دمعة واحدة على طفل مات جوعاً، ولا على أمٍ دفنت أبناءها تحت التراب، ولا على شيخ قُصف بيته فوق رأسه، ولا على فتاة انتهكت حرمتها تحت تهديد السلاح، ليسوا شركاءكم. إنهم مجرد جماعة ضغط، مهمتهم الوحيدة هي ضمان بقاء الحصة، وبقاء الكرسي، وبقاء الامتيازات، ولو احترق السودان كله.
آن الأوان أن نسمي الأشياء بأسمائها. هذه الاتفاقية لم تجلب السلام. لقد كانت مقدمة للحرب. زرعت بذور الشقاق، وكرّست المحاصصة، وأعطت لكل ذي سلاح شرعية أن يكون وزيراً وغنياً، فيما يدفع المواطن الأعزل ثمن كل هذا بعمره ودمه ودمع أطفاله. هذه الاتفاقية هي العائق الأكبر أمام أي خلاص. هي القيد الذي يمنع الدولة من أن تتحرك، أن تقيل الفاشل، أن تحاسب المفسد، أن تبني جيشاً واحداً، أن توحد صفاً. إنها الكابوس الذي يمنع السودان من أن يستيقظ من غيبوبته.
وغداً، حين يكتب التاريخ، سيسأل المؤرخون: كيف مات السودان؟ سيقولون: مات وفي عنقه حبل مشنقة من نصوص اتفاقية، يمسك طرفها لصوص تشهد عليهم بياناتهم. مات والذين كان يفترض أن يكونوا حماة لأبنائه كانوا مشغولين بحماية مكاتبهم. مات لأنه وقع أسيراً لمن لا يرون في حياته قيمة، ولا في موته خسارة.
لكن قبل أن يكتب التاريخ، دعوا الشارع يقول كلمته. تلك الكلمة التي لم تعد خافتة: اللهم إن السودان أمانة في أعناق من يحكمونه، وهم يذبحونه على مذبح المصالح، فاحكم بيننا وبينهم بالحق. اللهم إن صبرنا قد نفد، وحيلتنا قد ضاقت، ولم يعد لنا إلا أنت، فانتقم لنا ممن جاعوا، وتشردوا، وماتوا، بينما الدنيا تضج ببيانات حماية الكراسي.
سلاماً على السودان الذي كان حلماً، وصار كابوساً يصنعه حراس الكراسي بكلتا يديهم. وسلاماً على شعب لا ذنب له إلا أنه وُلد في وطن اختاره … وطناً.

زر الذهاب إلى الأعلى