الأعمدة

عن غياب اللحم

عبد الكريم البليخ
قرأتُ على صفحة أحد الأصدقاء المبدعين في «فيسبوك» مقالةً جميلة وصادقة، كتبها بروح إنسانية قريبة من الناس، وبحسّ المثقف الذي لا تمرّ أمامه التفاصيل اليومية الصغيرة من دون أن يرى ما تختزنه من ألم ومعنى.
كانت مقالته وافيةً إلى حدّ أنها لم تترك لنا الكثير لنضيفه؛ فقد اقترب صاحبها من الوجع بهدوء، وعبّر عمّا تعجز الكلمات أحياناً عن حمله حين يصبح الواقع أثقل من اللغة.
أعادني أسلوبه، بما فيه من دفء ورهافة، إلى زمن الصحافة الجميلة، حين كان الشاعر الراحل نزار قباني ينشر مقالته الأسبوعية في مجلة «المستقبل» الصادرة آنذاك في باريس، برئاسة الأديب والصحافي اللبناني نبيل خوري. وكانت مقالات نزار تُنشر بخط يده، فتبدو كأنها رسائل خاصة إلى القارئ العربي، تجمع بين حساسية الشاعر ووعي المثقف، وتقترب من هموم الناس وأحوالهم من دون أن تفقد جمال العبارة أو صدق الموقف.
غير أن العبارة التي توقفت عندها طويلاً في مقالة صديقي كانت قوله: «لكن أكل اللحم ظل بعيد المنال… وهل يُعقل أن يكون أطفالي على حق وقد سبقوني بذراع؟».
تبدو الجملة عادية للوهلة الأولى، لكنها تحمل في داخلها حكاية أبٍ وأطفال، وحكاية بيوت كثيرة باتت تحسب احتياجاتها قبل أن تحسب رغباتها.
كم هو مؤلم أن يعجز الأب عن تلبية طلب بسيط لأطفاله، لا لأنه لا يريد إسعادهم، بل لأن اليد أصبحت أقصر من الحاجة، والدخل أضعف من أن يلاحق ارتفاع الأسعار. عندها لا يكون غياب اللحم عن المائدة مجرد نقص في الطعام، بل يتحول إلى شعور خفي بالعجز، يحاول الآباء إخفاءه بابتسامة أو وعد مؤجل.
لجأ كثير من الناس إلى الزيت والزعتر، لا زهداً بما سواهما، بل لأن الضرورة فرضت عليهم اقتصاداً قاسياً في أبسط تفاصيل حياتهم.
وفي سورية، لم تعد المائدة تعكس ما تشتهيه الأسرة بقدر ما تعكس ما تستطيع شراءه. صار من الصعب على عائلات كثيرة شراء مئتي غرام من اللحم، بعدما كان ابن الرّقة لا يقصد الجزار إلا ليشتري نصف كيلو على الأقل، وربما عاد بما يكفي أسرته وضيفاً قد يطرق الباب.
تغيّرت الأحوال، وتراجعت القدرة الشرائية، وأصبح الإنسان منشغلاً بتأمين يومه أكثر من التفكير في غده. ومع ذلك، لا تزال البيوت تحاول أن تحافظ على دفئها، وأن تقنع أطفالها بأن المائدة لا تصنع المحبّة، وإن كان من حق كل طفل أن يجد فوقها ما يشتهي.
شكراً لصديقي الكاتب، ذلك المجتهد المتخفّي الذي يطلّ علينا بين حين وآخر بكلمات تذكّرنا بأن الكتابة ليست وصفاً للوجع فحسب، بل مشاركةٌ إنسانية فيه، ومحاولة هادئة لإبقاء الأمل حياً في القلوب.

زر الذهاب إلى الأعلى