
مولانا عبد القادر البدوي يكتب …
رئيس القطاع القانوني بحزب التجمع الاتحادي، وعضو اللجنة القانونية لتحالف «صمود»
تعيينات المحكمة الدستورية بين أزمة الشرعية ومخاوف إعادة التمكين
أصدر رئيس حكومة بورتسودان وسلطة الأمر الواقع في السودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قراراً بتعيين الدكتور وهبي محمد مختار رئيساً للمحكمة الدستورية في السودان. وهو نفسه الذي سبق أن تم تعيينه بواسطة الرئيس المخلوع عمر حسن أحمد البشير في الحادي عشر من نوفمبر عام 2014 رئيساً للمحكمة الدستورية نفسها، خلفاً لرئيسها السابق عبد الله أحمد عبد الله، الذي تم عزله بقرار من البشير بسبب مشاركته في هيئة التحكيم المتعلقة بقضية الأقطان الشهيرة والكل يعلم بالقرارات التي أصدرتها المحكمة الدستورية لحماية نظام الإنقاذ الاستبدادي ومنح المشروعية لجهاز أمنه فيما قام به من انتهاكات لحقوق الإنسان، وخرقاً للدستور التي أوجدت لحمايته. وإن هذه المحكمة سيئة الذكر، والتي مارست مهامها بعد سقوط النظام وحتى السابع عشر من يناير 2020، وهو تاريخ انتهاء ولايتها وفقاً لقانون المحكمة الدستورية، والتي ظل يرأسها السيد وهبي محمد مختار، قد أصدرت آخر قرار لها في نوفمبر 2019 يقضي بعدم قانونية اعتقال مساعدي البشير وهما أحمد هارون ونافع علي نافع، وأصدرت توجيهاً لسلطات سجن كوبر لإطلاق سراحهما. وبالفعل شرعت إدارة السجن في إطلاق سراحهما لولا تدخل النيابة العامة وطلبها للمتهمين، تأسيساً على أن المتهم نافع علي نافع يواجه اتهاماً يتعلق بانقلاب 30 يونيو 1989 وبلاغات أخرى تتعلق بتعذيب وقتل معتقلين، ووجود طلب من المحكمة الجنائية الدولية لتسليم المتهم أحمد هارون لارتكابه جرائم في حرب دارفور.وهذا يقودنا إلى أن السيد وهبي محمد مختار الذي تربع على رأس المحكمة الدستورية من قبل، لم يكن رمزًا للاستقلال القضائي أو العدالة، بل كان جزءاً من منظومة التمكين القضائي والسياسي التي تدين بالولاء والطاعة للنظام البائد. وإن ما أصدره البرهان من قرار بتعيين آخر رئيس للمحكمة الدستورية في عهد البشير وكأن شيئاً لم يكن، وان ذلك لا يعدو سوى أن يكون وسيلة لإعادة تمكين عناصر الإنقاذ داخل مؤسسات الدولة و ان ما يحدث الآن من عزل للنائب العام السابق الفاتح طيفور وكبار مساعديه بعد أن أدىّ الدور المطلوب منه، وتعيين خلفاً له، وإعادة تعيين رئيس المحكمة الدستورية، لا يعني سوى اتجاه النظام البائد لإعادة تمكينه داخل الأجهزة العدلية بمن يدينون له بالولاء والطاعة. لمواصلة تنفيذ أهدافه في تقويض ثورة ديسمبر المجيدة. ولعل ذلك كان واضحاً من أحكام المحكمة العليا التي تعمدت، دون اختصاص، إلغاء كل قرارات لجنة تفكيك التمكين، وإصدار أحكام معيبة من كل الوجوه، أعادت بموجبها كل المفصولين من أتباع النظام البائد إلى مؤسساتهم، كما أعادت كل الأموال التي نهُبت من خزينة الشعب السوداني إلى من نهبوها وإن كان هذا بعضًا من حال القضاء، فإن النيابة العامة قد أصبحت بديلاً لجهاز الأمن بعد أن سُلب منه اختصاص القبض والتفتيش بعد تعديل قانونه، باصطناع بلاغات لا أساس لها في مواجهة القيادات السياسية وقيادات الثورة، بغرض إبعادهم من الحراك الثوري المناهض للانقلاب. و لاكتمال المنظومة العدلية التي تدين بالولاء والطاعة للنظام البائد، صدر قرار بتعيين رئيس للمحكمة الدستورية، توطئة لاختيار أعضائها لتقوم بمهامها في إكمال مؤامرة إجهاض ثورة ديسمبر المجيدة، بإلغاء القرارات التي أرست مبادئ الثورة، وأهمها محاسبة عناصر النظام البائد ووضع أسس ومبادئ دستورية تحمي النظام البائد والنظام الانقلابي كما فعلت في كل تاريخها.
إن قرار البرهان بتعيين رئيس للمحكمة الدستورية يفتقر إلى الشرعية، إذ إن السلطة التي امتلكها بعد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر عام 2021 تعتبر سلطة غير شرعية بمخالفتها الدستور والقانون، وإنه لا يملك أي صلاحيات دستورية أو قانونية بصفته رئيساً لمجلس السيادة أو قائداً للجيش. وبحل مجلس السيادة وتجميد المجلس التشريعي فإنه لا يستطيع تشكيل مجلس جديد للسيادة أو مجلس وزراء كما فعل. وبعدم وجود مجلس سيادة بعد حله بقرارات الانقلاب، فإنه لا يستطيع تعيين رئيس للمحكمة الدستورية أو نائباً عاماً أو رئيساً للقضاء… إلخ.
وبالتالي فإن جميع القرارات التي صدرت أو قد تصدر منه تعتبر باطلة بطلاناً مطلقاً، وإن أي اتفاق سياسي لما بعد الحرب يجب أن يتضمن نصًا بإنهاء آثار انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، وهذا يعني النص صراحة على إلغاء كل القرارات التي صدرت بسببه. وإن كان البرهان يزعم بأنه يستمد سلطته الدستورية من الوثيقة الدستورية لسنة 2019، فإن الوثيقة تنص في المادة 12 (و) منها على أن من سلطات مجلس السيادة اعتماد تعيين رئيس المحكمة الدستورية وأعضائها بعد ترشيحهم من قبل مجلس القضاء العالي. وإن اعتماد قرار البرهان في التعيين على توصية المفوضية القومية للخدمة القضائية أمر يخالف نص الوثيقة الدستورية التي يعتمد عليها البرهان لإضفاء الشرعية الدستورية لسلطته. ومن الواضح أنه يستمد شرعيته من البندقية وليس من نصوص دستور يتمسك به ويخالفه في نفس الوقت أما مجلس القضاء العالي، وهو الجسم الذي نصت عليه الوثيقة الدستورية، فإنه ينشأ بموجب قانون يحدد تشكيله واختصاصاته ووسلطاته. وإن القانون المطلوب كان ولا يزال من اختصاص مفوضية إصلاح وتطوير الأجهزة العدلية والحقوقية وفقاً لنص المادة 7 (و) من قانون المفوضية الصادر في الثاني والعشرين من إبريل 2020، وهي جسم مهامه العمل الإصلاحي القانوني وإعادة بناء المنظومة العدلية والحقوقية وضمان استقلال القضاء وسيادة حكم القانون، وذلك استناداً لنص المادة 8 (د) من الوثيقة الدستورية. وإن الغرض من ابتدار وإصلاح قوانين الأجهزة العدلية بواسطة المفوضية، ومنها قانون مجلس القضاء العالي والمجلس الأعلى للنيابة وتعديل قانون المحكمة الدستورية والسلطة القضائية والنيابة العامة، هو الوصول إلى الإدارة المؤسسية والاستقلال الحقيقي لأجهزة تعرضت لهزات عنيفة وتدخلات مؤلمة ومباشرة في شؤونها من قبل سلطة الإنقاذ على مدار الثلاثين عاماً التي حكمت فيها البلاد، مما أدى لإضعافها وتغييب دورها المنشود واتخاذها أداة للبطش والتنكيل والظلم لخصومها.
ولذلك لم يكن من الممكن إنشاء مجلس للقضاء العالي بابتدار قانونه قبل تفكيك التمكين داخل الأجهزة العدلية، إذ إن تشكيل مجلس القضاء العالي يتكون من رؤساء تلك الأجهزة، ومن المستحيل تسليم قيادته لمنسوبي النظام البائد. وهذا ما ينطبق على المحكمة الدستورية، إذ لا يمكن تشكيلها في ظل قانونها الصادر عام 2005، الذي ينص في المادة 4 (ب) على أن رئيس الجمهورية هو الذي يعين رئيس المحكمة الدستورية، وأنه يكون مساءلاً أمامه وفقاً لنص المادة (5)، وأن رئيس الجمهورية هو الذي يحدد مخصصات رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية، وأنه الذي يمنح الحصانة أو يلغيها في أي إجراءات جنائية تتخذ ضد رئيس أو أحد أعضاء المحكمة وفقاً لنص المادة (14). بل إن القانون قد منح رئيس الجمهورية سلطة عزل رئيس المحكمة الدستورية في حالة فقدان الأهلية أو السلوك غير اللائق بمنصبه وفقاً لنص المادة (10).
وبكل أسف، هذا هو القانون الذي يحكم المحكمة الدستورية التي من واجباتها النظر في قرارات رئيس الجمهورية ومدى مخالفتها للدستور، ومحاكمة الرئيس جنائياً. فهل يمكن القول بأن لهذه المحكمة نوعاً من الاستقلالية ضد رئيس يسيطر عليها بالقانون الذي يحكمها؟ لذلك فإن من المستحيل تشكيل محكمة دستورية ما لم يتم تعديل قانونها أو ابتدار قانون جديد يمنحها الاستقلالية الكاملة في أداء مهامها وهذا يقودنا أيضًا إلى أن مفوضية إصلاح وتطوير الأجهزة العدلية، والتي يقودها رؤساء الأجهزة العدلية المشار إليها، لا يمكن أن تقوم بمهامها في قيادة الإصلاح والتغيير وبناء أجهزة قادرة على إرساء قيم العدالة وبسط سيادة حكم القانون وتتمتع بالاستقلال الحقيقي، إلا بوجود قيادات مستقلة ومتجردة وراغبة وقادرة على أداء الدور المهني للإصلاح المطلوب.



