


كتب: المستشار معاوية أبوالريش
منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، وما خلّفته من قرابة 40 ألف قتيل ونزوح تجاوز 12 مليون إنسان، يفرض نفسه اليوم ملف جديد يهدد بإضافة بُعد أشد خطورة إلى كارثة إنسانية متفاقمة أصلاً: اتهامات متصاعدة، تسندها أدلة ميدانية وتحقيقات مستقلة، باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية محظورة دولياً، في مقدمتها غاز الكلور.
من “القوة المميتة” إلى العقوبات الأمريكية
بدأ الخيط بمصطلح “القوة المميتة”، الذي أطلقه الفريق ياسر العطا، رئيس أركان الجيش لاحقاً، في تصريح أمام جنوده أواخر 2023، متوعداً بخوض معارك تُستخدم فيها “أكبر قدر يسمح به السيد القائد العام من القوة المميتة”. قرأ حقوقيون ومحللون سودانيون هذا التعبير كإشارة مبطّنة إلى سلاح كيميائي أو بيولوجي، قراءة تعزّزت لاحقاً بما توالى من تقارير ميدانية.
في 22 مايو/أيار 2025 بلغ الملف منعطفاً حاسماً، حين أعلنت واشنطن رسمياً أنها توصلت إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية مرتين على الأقل خلال 2024، وفرضت على هذا الأساس عقوبات على عدد من قادة الجيش. ونقلت نيويورك تايمز عن أربعة مسؤولين أمريكيين كبار تأكيدهم استخدام الجيش لهذه الأسلحة في مناسبتين على الأقل خلال الصراع.
الأدلة الميدانية: من مصفاة الخرطوم إلى نيالا
أوضح الحوادث توثيقاً وقعت قرب مصفاة نفط شمال الخرطوم، أثناء محاولة الجيش استعادتها من قوات الدعم السريع. تحقيق مشترك لفريق “مراقبون” مع منظمات متخصصة في تحليل البيانات مفتوحة المصدر، تحقّقت منه منظمة هيومن رايتس ووتش، خلص إلى أدلة قوية على استخدام غاز الكلور عبر إسقاط براميل معبأة به من الجو يومي 5 و13 سبتمبر/أيلول 2024، وهو ما تناولته أيضاً قناة فرانس 24 استناداً إلى وثائق حصرية.
وفي نيالا بجنوب دارفور، رصد أطباء محليون تسلّخات جلدية غريبة على مرضى وصلوا مباشرة عقب غارات جوية، دفعتهم لإرسال عينات من ملابس المرضى للفحص المعملي، فأظهرت النتائج آثار الكلور. ووثّقت مجموعة “محامو الطوارئ” شهادات عن اختناقات والتهابات صدرية وارتفاع في حالات الإجهاض وتشوه الأجنة بين السكان. أما في شمال دارفور، فتحدّث مسؤول محلي عن ظواهر مقلقة أعقبت نحو 130 طلعة جوية في كتم ومليط: تغيّر ملامح جثث الضحايا، نفوق حيوانات، وتبدّل لون التربة والمياه.
خيط الاحتكار: كيف وصل الكلور إلى الجيش؟
طرحت هيئة مياه ولاية الخرطوم مناقصة لتوريد غاز الكلور المسال وبولي ألمنيوم كلوريد، من مستلزمات تنقية مياه الشرب. وبحسب المحامية الحقوقية رحاب مبارك، تقدّمت عشرات الشركات المستوفية للشروط، إلا أن يوم فض المظاريف حمل مفاجأة: قرار يحصر استيراد الكلور في “منظومة الصناعات الدفاعية” التابعة للجيش، وهي جهة مدرجة أصلاً على قوائم العقوبات الأمريكية. هذا الاحتكار المفاجئ، الصادر بأمر مباشر من قيادة الجيش، فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول الغرض الحقيقي من استيراد مادة “مزدوجة الاستخدام”.
الموقف الرسمي: نفي متكرر ورفض للتفتيش
قابلت سلطة بورتسودان هذه الاتهامات بنفي ثابت، فقد نفى الناطق باسم الحكومة خالد الإعيسر ما ورد في تقرير الخارجية الأمريكية، وكرّر الجيش رفضه للاتهامات المتصاعدة على مدى أشهر. في المقابل، تضغط واشنطن ومنظمات حقوقية دولية لفتح الباب أمام تفتيش ميداني مستقل تجريه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، وهو طلب لا تزال الحكومة السودانية تمتنع عن تلبيته.
الطريق إلى المساءلة الدولية
في 26 سبتمبر/أيلول 2025، تقدّم “التحالف السوداني للحقوق”، بمشاركة فريق محامين دوليين، بدعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد أربعة من أبرز قادة المؤسسة العسكرية: القائد العام عبد الفتاح البرهان، والفريق ياسر العطا، والفريق شمس الدين الكباشي، واللواء الطاهر محمد، على خلفية اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
وبموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993، التي وقّع عليها السودان، يُعدّ استخدام أي مادة كيميائية سامة كسلاح – بما فيها الكلور حين يُوظَّف لهذا الغرض – جريمة حرب توجب المساءلة الجنائية الفردية. وإن ثبتت التهمة أمام جهة قضائية مختصة، فالعقوبات المحتملة تمتد من الملاحقة أمام الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب، إلى مزيد من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، وصولاً إلى تجميد عضوية السودان في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وتعميق عزلة المؤسسة العسكرية دولياً.
لم يعد ملف الأسلحة الكيميائية في السودان مجرد ادعاءات متفرقة، بل بات يستند إلى تقاطع غير مسبوق من المصادر: عقوبات أمريكية رسمية، تحقيق استقصائي لصحيفة أمريكية كبرى، تحقيق مستقل تحقّقت منه منظمة حقوقية مرموقة، وشهادات ميدانية وطبية من أكثر من موقع. وبينما تصرّ الحكومة السودانية على النفي وترفض حتى الآن فتح الباب أمام تفتيش دولي مستقل، تبقى الكلمة الفصل لجهة قضائية مختصة – إلا أن حجم الأدلة المتراكمة يجعل من هذا الملف أحد أخطر عناوين الحرب السودانية وأكثرها إلحاحاً على ضمير المجتمع الدولي.



