الأعمدة

الحل الحاسم بيد الشعب وحده

بقلم/ إيهاب الأمين
إن أكبر خطأ نقع فيه عند مواجهة الأنظمة الفاسدة هو أن ننشغل بمحاربة نتائج الفساد، بينما نترك مصدره قائماً. فالفساد لا ينتج أزمة واحدة، وإنما يصنع عشرات الأزمات التي تتفرع منه باستمرار، ولذلك فإن التعامل معها بصورة منفصلة يشبه محاولة تجفيف الماء المتسرب من ثقوب متعددة، مع ترك الأنبوب الرئيسي المكسور يواصل ضخ المياه.
نرى اليوم عشرات المجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي، كل مجموعة تحمل قضية مختلفة؛ مجموعة تناقش العنصرية، وأخرى تناقش تهميش الأقاليم، وثالثة تتحدث عن تدني أجور المعلمين، ورابعة عن انهيار الخدمة المدنية، وخامسة عن قضايا السيادة الوطنية، وغيرها من الملفات التي تمس حياة المواطنين. وكل هذه القضايا عادلة ومهمة، ولا ينبغي التقليل من شأن أي منها.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو: هل نعالج الأسباب، أم أننا ننشغل فقط بالأعراض؟
فما دام أصل الأزمة قائماً، فإن كل مشكلة تُحل ستولد مكانها مشكلات أخرى، أو ستظل الحلول المؤقتة عاجزة عن إحداث تغيير حقيقي. والأسوأ من ذلك أن يتشتت جهد الناس بين عشرات المعارك الصغيرة، فيختلفون حول ترتيب الأولويات، وتحتدم النقاشات، ويتبادل البعض الاتهامات، بينما يبقى مركز المشكلة بمنأى عن الضغط الحقيقي. وفي مثل هذا الواقع، قد يجد النظام الفاسد مصلحة في هذا التشتت، لأن انشغال المجتمع بصراعات جانبية يخفف الضغط عن جذور الأزمة.
لذلك فإن أي مشروع إصلاحي جاد يحتاج إلى توحيد الجهود حول هدف سياسي جامع، يجمع كل المدنيين وكل من يريد خير الوطن، مهما اختلفت توجهاتهم أو أولوياتهم، على قاعدة أن الإصلاح المستدام يبدأ بإقامة مؤسسات حكم خاضعة للمساءلة وإرادة المواطنين، عبر الوسائل السلمية والقانونية التي يختارها الشعب.
وعندما تصبح هناك سلطة تستمد شرعيتها من المواطنين، يصبح بالإمكان معالجة الملفات الكبرى معالجة مؤسسية: إصلاح الخدمة المدنية، وتحقيق العدالة في توزيع التنمية، ومراجعة سياسات الأجور، ومكافحة التمييز، والتعامل مع قضايا السيادة الوطنية، وغير ذلك من الملفات، ضمن برنامج وطني واضح يخضع للمحاسبة.
ومن المهم كذلك أن تتجه مرحلة الانتقال إلى بناء مؤسسات سياسية أكثر قوة وفاعلية، وأن تُراجع القوانين المنظمة للعمل الحزبي بما يعزز وجود أحزاب تمتلك برامج سياسية واقتصادية واضحة، وقاعدة شعبية حقيقية، وتتنافس على أساس الكفاءة والرؤى، لا على أساس الولاءات الضيقة أو الإرث العائلي أو الطائفي. فالديمقراطية لا تزدهر بكثرة الأحزاب ، وإنما بجودة برامج تلك الأحزاب وقدرتها على تمثيل المواطنين وتقديم حلول واقعية لمشكلاتهم.
إن الوطن لا يحتاج إلى مئات المعارك المتفرقة، بل يحتاج إلى مشروع وطني جامع يوحد الطاقات ويوجهها نحو بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون، بحيث تصبح معالجة كل قضية جزءاً من خطة إصلاح شاملة، لا مجرد رد فعل مؤقت على أزمة عابرة.
فعندما يُعالج أصل الداء، يصبح علاج بقية الأوجاع ممكناً. أما الاستمرار في ملاحقة الأعراض واحدةً تلو الأخرى، فلن يغير الواقع تغييراً جذرياً، بل سيبقي المجتمع يدور في الحلقة نفسها، بينما تستمر أسباب الأزمات في إنتاج أزمات جديدة.
مشكلة السودان واحدة تتفرع منها عشرات المشكلات وهي وجود حكومة عسكرية انقلابية فاسدة نحتاج بشدة إلى أن نواجهها بثورة شعبية عارمة نسقطها كما اسقطنا قبلها عدة حكومات عسكرية، ونستعيد حقنا في اختيار من يحكمنا.

زر الذهاب إلى الأعلى