تأليف: د. عمر مصطفى شركيان
الناشر: دار المصورات
◼️مقدمة عامة:
يُمثل كتاب “السودان في ظلال الإنقاذ: أسلمة الاستبداد والفساد” دراسة نقدية جريعة وتحليلًا معمقًا لتجربة نظام “الإنقاذ” الذي حكم السودان بقيادة عمر البشير لما يزيد عن ثلاثة عقود (1989-2019). لا يكتفي الكتاب بتسجيل انتهاكات النظام، بل يقدم إطارًا تحليليًا فريدًا لكيفية توظيف المشروع الإسلاموي للسلطة لاستحداث نموذج هجين من الحكم، يجمع بين الخطاب الديني والممارسة الاستبدادية والفساد الممنهج، محولاً “الدولة” إلى “نظام حكم خاص” يخدم تحالفًا ضيقًا من النخب العسكرية والأمنية والاقتصادية.
🧠الإطار النظري والمنهجي:
يتبنى المؤلف إطارًا تحليليًا قائمًا على “الاقتصاد السياسي” و”سوسيولوجيا السلطة”، مع التركيز على آليات توظيف الدين لأغراض سياسية. ينطلق من فرضية مفادها أن نظام الإنقاذ لم يكن مجرد نظام ديكتاتوري تقليدي، بل كان نظامًا “ما بعد استعماري” جديدًا، استخدم “أسلمة” مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع كأيديولوجية وغطاء لتأسيس وتبرير شكل مبتكر من أشكال الحكم الاستبدادي والاستيلاء على الثروة. يعتمد التحليل على منهجية نقدية تعتمد على تحليل الخطاب الرسمي وربطه بالممارسات الفعلية على الأرض.
المحاور التحليلية الرئيسية:
1. أسلمة الدولة والأيديولوجية كأداة للهيمنة:
· يحلل الكتاب كيف وظف نظام الإنقاذ الخطاب الديني والمشروع “الحضاري” ليس فقط لتجنيد المؤيدين، بل كأداة رئيسية لشرعنة الاستبداد وإضفاء القداسة على القرارات السياسية، مما جعل أي معارضة تبدو كمعارضة للدين نفسه.
· يشرح آليات “أسلمة” مؤسسات الدولة، مثل القضاء والبنك المركزي والتعليم، ليس بهدف تطويرها، بل لضمان سيطرته الأيديولوجية عليها وتحويلها إلى أدوات لخدمة بقاء النظام وتعزيز ولاء أتباعه.
2. الاقتصاد السياسي للفساد: تأسيس دولة “المافيا”:
· يُعد هذا المحور إسهامًا مركزيًا في الكتاب، حيث يحلل كيف تم تحويل مؤسسات الدولة إلى آلات لنهب المال العام. يشير المؤلف إلى أن الفساد لم يكن عَرَضًا عرضيًا، بل كان “سياسة دولة” ممنهجة وضرورة عضوية لتمويل تحالفات النظام واسترضاء مؤيديه.
· يكشف الكتاب عن كيفية تشكيل “اقتصاد طفيلي” قائم على الريع والامتيازات واحتكار الواردات (مثل النفط والقمح)، مما أدى إلى خلق طبقة طفيلية جديدة من “رأسمالية المحاسيب” التي ارتبطت مصلحتها العضوية باستمرار النظام.
3. إعادة هيكلة مؤسسات الدولة: من الخدمة إلى القمع والولاء:
· يوضح الكتاب كيف تم تفكيك مؤسسات الدولة التقليدية (الخدمة المدنية، الجيش النظامي) واستبدالها بمؤسسات موازية قائمة على الولاء الشخصي للنظام (مثل جهاز الأمن والمخابرات، والحرس الجمهوري، والميليشيات مثل الجنجويد).
· يحلل تحول الدولة من مؤسسة تقدم الخدمات للمواطنين إلى “جهاز قمع” ضخم يهدف في المقام الأول إلى حماية النظام وضمان استمرار تدفق عوائد الفساد إلى التحالف الحاكم.
4. العنف كاستراتيجية حكم: من الحرب إلى الإبادة:
· يربط الكتاب بين النموذج الاقتصادي السياسي القائم على النهب واستراتيجية العنف المنهجي. يحلل كيف أن الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق كانت امتدادًا لمنطق النظام الداخلي، حيث تم توظيف العنف الإثني والإبادة الجماعية كأدوات لفرض السيطرة على الأراضي والموارد وإسكات الأصوات المعارضة.
5. الانعكاسات الاجتماعية والثقافية: تفكيك النسيج الاجتماعي:
· يناقش الكتاب الآثار الاجتماعية والثقافية المدمرة لسياسات النظام، والتي أدت إلى تآكل الطبقة الوسطى، وانهيار الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم، وترسيخ ثقافة الولاء بدلاً من الكفاءة، وتمزيغ النسيج الاجتماعي عبر تأجيج الصراعات الهوياتية.
⏺️الخلاصة والتقييم النقدي:
يخلص الكتاب إلى أن نظام الإنقاذ نجح، عبر ثلاثين عامًا، في بناء “دولة ظل” داخل الدولة الرسمية، دولة قائمة على تحالف غير مقدس بين الأيديولوجيا الدينية والعسكر ورأس المال الطفيلي. لقد حول “الأسلمة” من مشروع ثقافي مجتمعي إلى أيديولوجية سلطة لتبرير نموذج هجين من “الاستبداد الديني” و”الفساد المؤسسي”، مما أدى إلى تدمير الدولة السودانية من الداخل وترك إرثًا من الدمار الاقتصادي والتمزق الاجتماعي والصراعات العنيفة التي لا تزال البلاد تعاني من تبعاتها حتى بعد سقوط النظام.
تقييم الكتاب:
يُعد هذا الكتاب مرجعًا أساسيًا وأكاديميًا بالغ الأهمية لفهم التشريح الحقيقي لنظام الإنقاذ.قوته تكمن في جرأته التحليلية وربطه العضوي بين الأيديولوجيا والاقتصاد السياسي وممارسات السلطة. إنه لا يقدم سردًا للتاريخ فحسب، بل يقدم إطارًا تفسيريًا قويًا لكيفية عمل أنظمة الحكم الاستبدادية في العصر الحديث، وكيف يمكن توظيف الدين لتمويه آليات الهيمنة والنهب. الكتاب هو تشخيص دقيق لجوهر أزمة السودان الحديثة، مقدماً درسًا واضحًا حول مخاطر اختطاف الدين لخدمة مشاريع السلطة والثروة.



