
بقلم/ إيهاب الأمين
يُلاحظ في الخطاب العام الإسلامي المعاصر، وخاصة على منصات التواصل الاجتماعي، هجومٌ شرس ومُستمر على العلمانية. ويُقدَّم هذا الهجوم غالباً من منطلق أنها عدو للإسلام، وأنها تدعو إلى الإلحاد، أو أنها دين وضعي يُراد فرضه بديلاً عن الشريعة. ولكن هذا الفهم، رغم شيوعه، يقع في فخ خلط الأوراق، ويغفل الفرق الجوهري بين المعتقد الديني والنظام السياسي الإداري.
إن العلمانية، في تعريفها السياسي الحيادي، ليست إلحاداً، وليست ديناً جديداً، بل هي إطار حكم وإدارة يهدف إلى تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين، لضمان التعاادل، والتعايش، وتكافؤ الفرص.
1/ العلمانيةحكم حيادي لا عداء للدين:
أول وأكبر مغالطة يقع فيها منتقدو العلمانية هي الاعتقاد بأنها تعني محاربة الدين أو إقصاءه من الحياة العامة. في الحقيقة، العلمانية السياسية تعني حياد الدولة تجاه الأديان والمعتقدات.
الدولة العلمانية لا تدين بدين، ولا تلحد، بل تقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين. هي بمثابة الحكم في مباراة كرة القدم؛ الحكم لا ينتمي لأي فريق، ولا يكره اللاعبين، بل وظيفته الوحيدة هي تطبيق القانون بعدالة ليُبدع كل لاعب (مواطن) في ممارسة حريته.
لذا فالعلمانية لا تمنع المسلم من الصلاة، ولا المسيحي من الذهاب لكنيسته، بل هي تضمن للجميع الحق في ممارسة شعائرهم دون أن تفرض الدولة ديناً على أحد، أو تميز أتباع دين على حساب آخرين.
2/ المواطنة، الأساس الوحيد للحقوق والواجبات :
في الأنظمة التي تدمج الدين بالدولة، تتحول المواطنة إلى طبقات؛ فالمواطنون يَتفاضلون بناءً على انتمائهم الديني أو المذهبي. أما في النظام العلماني، فالأرضية المشتركة هي المواطنة.
المسلم، والمسيحي، واليهودي، والملحد، كلهم سواسية أمام القانون؛ لهم نفس الحقوق في التعليم، والصحة، والأمن، والعمل، ولهم نفس الواجبات. هذا المبدأ لا يتعارض مع العدل الإسلامي الذي يُقر بأن الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الإنسانية والكرامة. العلمانية تُؤسس لدولة القانون والمؤسسات بدلاً من دولة الانتماءات والهويات الفرعية، مما يحمي النسيج الاجتماعي من التمزق ويمنع تحول الاختلاف الديني إلى صراع دموي على السلطة.
3/ التفاضل بالكفاءة حماية للدولة والدين معاً:
من أسمى مبادئ النظام العلماني أنه يفتح باب التفاضل والتقدم على أساس الكفاءة، والعلم، والجهد، بغض النظر عن الخلفية الدينية أو العرقية.
في الدولة المدنية، يُعيَّن الوزير بناءً على كفاءته الإدارية، والطبيب بناءً على علمه، والقاضي بناءً على نزاهته. هذا المبدأ يحمي الدولة من الفساد والمحسوبية، ويحمي الدين نفسه من أن يُحمَّل مسؤولية فشل السياسات الاقتصادية أو الإدارية. عندما يفشل وزير فاسد في دولة دينية، قد ينعكس ذلك بسلب على صورة الدين نفسه؛ أما في الدولة المدنية، فيُحاسب الفرد بصفته مواطناً أخطأ، ولا يُزج بالدين في معارك الإدارة والدنيا.
4/ لماذا يحدث هذا الهجوم والرفض؟:
لفهم سبب هذا الهجوم الغاضب أحياناً، يجب أن ننظر إلى السياق التاريخي والسياسي في منطقتنا. العلمانية في الشرق الأوسط لم تأتِ دائماً كـحياد إيجابي يضمن الحريات، بل ارتبطت في مراحل تاريخية بأنظمة استبدادية قمعت التيارات الإسلامية، أو ارتبطت بالاستعمار الذي حاول طمس الهوية.
لذلك خلط الكثيرون بين العلمانية كنظام محايد يضمن المواطنة وبين العلمانية كأيدلوجيا عدائية معادية للدين. هذا الخطأ في التشخيص أدى إلى رفض القشرة قبل اللب، ومهاجمة فكرة فصل الدين عن الدولة ظناً أنها تعني فصل الأخلاق والقيم عن المجتمع.
5/الدين للتهذيب، والدولة للإدارة:
الإسلام دين شامل، يهتم بأخلاق الفرد وتهذيب نفسه، ويضع مبادئ كبرى للعدل والشورى. لكن تفاصيل إدارة الدولة (سياسة الدنيا) تتطلب أنظمة بشرية قابلة للتطوير والتغيير حسب ظروف العصر.
النظام العلماني، بفكرته الأساسية المتمثلة في:
1. حياد الدولة تجاه الأديان.
2. المساواة المطلقة في المواطنة.
3. التفاضل بالكفاءة والعلم.
هو نظام بشري وُضع لتنظيم حياة البشر في مجتمعات متعددة الثقافات والأديان، وهو أقرب ما يكون لتحقيق مبدأ العدل الذي هو غاية الأديان جميعها.
إن الهجوم على العلمانية من منطلق أنها ضد الإسلام هو هجوم على طاحونات هواء، نابع من فهم قاصر لمصطلح سياسي. والأجدر بالمسلمين اليوم هو الانتقال من الخطاب الانفعالي إلى الخطاب العقلاني، والتركيز على بناء مجتمعات تقف فيها الكفاءة فوق المحسوبية، وتكون فيها المواطنة العادلة هي الجامعة، دون حاجة لخلط أوراق الدين بأوراق السياسة المتغيرة.



