
ليس ببعيد عن ذاكرة المشهد العام في بلادنا ذلك التسجيل المصور الذي ظهر فيه الأستاذ عثمان محمد يوسف كبر، القيادي بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول، والذي شغل مناصب دستورية عدة، أبرزها والي ولاية شمال دارفور لفترة طويلة، ثم نائباً للرئيس عمر البشير في إحدى مراحل حكم الإنقاذ.
وقد حمل ذلك التسجيل هجوماً حاداً على رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق عبد الفتاح البرهان، إلى حد التقليل من دوره، بحسب ما ورد فيه، واعتباره غير مؤثر في مراحل مختلفة من تاريخ الحركة الإسلامية ونظام الإنقاذ. ولم يصدر عن الأستاذ كبر، في حينه، نفي قاطع لصحة ما نسب إليه في ذلك التسجيل.
واليوم، يلفت الانتباه منشور آخر نُسب إلى الأستاذ كبر، تضمن ما يشبه الاعتراف الصريح بمسؤولية الحركة الإسلامية عن إشعال الحرب، عبر قرار قال إن بعض عناصر الشورى فيه تجاوزت الأصوات التي كانت تدعو إلى التريث قبل الدخول في الحرب، خشية امتداد تداعياتها وآثارها على بنية المجتمع وهيبة الدولة.
وأضاف، بحسب المنشور المتداول، أن الهدف من إشعال الحرب لم يكن عرقلة الاتفاق الإطاري فحسب، بل أيضاً التخلص من آثار ثورة ديسمبر التي وصفها بـ”المشؤومة”، ومن ثم إنهاء دور لجان المقاومة وقيادات الحرية والتغيير، الذين نالهم في منشوره مدحٌ أقرب إلى القدح، عندما أقر بنجاح آلتهم الإعلامية في قلب موازين الرأي العام، حتى باتت الكفة تميل نحو المناداة بإيقاف الحرب وتكريس ثقافة السلام.
وبالطبع، فإن صح ما جاء في هذا المنشور المنسوب إلى القيادي البارز في الحركة الإسلامية، فإنه يظل تعبيراً عن رأي خاص به، ما دام لم يصدر باسم الحركة أو يحمل ختمها الرسمي. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن ما ورد فيه قد يمثل مؤشراً إلى وجود تباينات أو مراجعات داخل أروقة ذلك التنظيم، وربما تمهد لظهور قيادات أخرى تقر بأن الرهان على الحرب بوصفها جسراً لعودة الحركة إلى السلطة، أو حتى لضمان بقائها في المشهد السياسي، قد أصبح رهاناً خاسراً، في ظل العزلة السياسية والإقليمية والدولية التي تواجهها.
ولعل ذلك يفرض على الحركة الإسلامية، إن أرادت استعادة موقعها في الحياة العامة، أن تجري مراجعات جادة وشجاعة، تبدأ بالاعتراف بأخطاء فترة حكمها، وبكل ما يتعلق بالتخطيط للحرب إن ثبتت صحة تلك الروايات، فضلاً عن مراجعة موقفها من الانقلاب على الحكومة الانتقالية، وأن تعلن بوضوح نبذ العمل المسلح وسيلةً للعمل السياسي.
فلا سبيل إلى استعادة الثقة إلا بالتحول إلى حزب مدني خالص، يسعى إلى الوصول إلى السلطة عبر التداول السلمي وصناديق الاقتراع، في منافسة متكافئة، بعيداً عن نفوذ أي سلطة موالية أو قوة مسلحة مؤدلجة، وذلك في سودان الغد الديمقراطي المنشود، بإذن الله، بعد أن تضع الحرب أوزارها.
والله ولي التوفيق.



