
كتب: معاوية أبوالريش
الساعة تقترب من منتصف الليل هنا، وهاتفي يهتز بإشعار جديد. فيديو من أخي.
أفتحه: شارع مضاء بإنارة صفراء دافئة، طاولات مقهى مصفوفة على الرصيف، ضحكات تختلط بصوت أغنية تخرج من مكبر صوت قديم. الكاميرا ترتجف قليلاً وهو يمشي، ثم يستدير بها نحو وجهه ويبتسم: “شوف يا زول، البلد رجعت أحسن من زمان. تعال، ما تخاف”. أغلق الفيديو. أعيد تشغيله. أبتسم أنا الآخر، رغم نفسي، لأن صوته يذكّرني بأشياء كثيرة تركتُها هناك.
أمرر إصبعي على الشاشة فينتقل بي التطبيق إلى منشور آخر، كتبه رجل لا أعرفه، في نفس المدينة، ربما في نفس الليلة.
“إذا ربنا وفقك وفتحها عليك وأنت خارج السودان ما تستعجل للرجعة عشان ما تندم” أقرأ الجملة الأولى وأتوقف. أرفع عيني عن الشاشة للحظة، كأنني أتأكد أن هذا فعلاً نفس المكان الذي كان أخي يمشي فيه قبل دقائق.
أكمل القراءة “مافي كهرباء، مافي مياه” أتذكر أن الفيديو الذي شاهدته للتو كان مضاء بشكل جيد. لا أعرف إن كانت إنارة الشارع، أم مولّد، أم بطارية شمسية اشتراها صاحب المقهى بآخر ما تبقى معه. لا يخبرني الفيديو. لا يستطيع.
أواصل القراءة “ممكن يجوك اتنين بي موتر وشايلين طبلة يقفلوا دكانك” أفكر في أصحاب المطاعم الذين رأيتهم يضحكون في الخلفية. هل جاءهم أحد بعد؟ هل سيأتيهم غداً؟ لا يمكن لفيديو مدته أربعون ثانية أن يجيب.
“سيولة أمنية مُفرطة، وحالات نهب لسيارات ومُمتلكات مواطنين” أتذكر أن أخي، في فيديو سابق أرسله لي قبل أسابيع، كان يمزح قائلاً: “بس ما تطلع بليل لحالك، خلي معاك زول” يومها ضحكتُ على الجملة. الآن أعيد قراءتها في ذهني بنبرة مختلفة تماماً.
“جبايات وغرامات ورسوم خيالية دفعت بالكثير من أصحاب الإستثمارات الصغيرة والمتوسطة لمغادرة السوق”. أنظر إلى المقهى في الفيديو مرة أخرى. لا أعرف كم دفع صاحبه ليبقيه مفتوحاً. لا أعرف كم أغلقوا بجواره قبل أن تفتح إنارته الصفراء الدافئة تلك الليلة.
أرجع للفيديو مرة ثالثة. أخي يضحك، خلفه شاب يرقص بلا اكتراث، وامرأة تحمل طفلاً وتبتسم للكاميرا وكأنها تعرف أنها ستُشاهَد من بعيد. كل التفاصيل صادقة. لا أحد يمثّل. لكن كل التفاصيل أيضاً مقصوصة من إطار أكبر، إطار لا يظهر فيه الجار الذي لم يعد يملك دكاناً، ولا الأم التي تنتظر ابنها الذي خرج ولم يعد، ولا الفاتورة التي تضاعفت هذا الشهر.
أكتب لأخي رسالة قصيرة: “شكلها حلوة الحياة عندكم”. يرد بسرعة: “الحمد لله، إن شاء الله تجي تشوف بعينك”
أغلق الهاتف ولا أرد. لا لأنني لا أصدقه، بل لأنني لا أعرف، بيني وبين نفسي، أي المشهدين هو الحقيقة الكاملة: مقهى مضاء يضحك فيه الناس، أم رجل يكتب في العتمة محذراً كل من يفكر في العودة أن يحمل معه، كما قال، “باكو مناديل وطاقة شمسية وحبوب مصران وسكر قبل تقطع تذكرتك”
ربما الاثنان صحيحان. وربما هذه بالضبط هي المأساة: أن تكون كل الحقائق صادقة في آن واحد، وأن يبقى قرار العودة معلّقاً بين ضوء مقهى في فيديو، وبين عتمة منشور كتبه رجل لا يملك سوى الكلمات ليقول: احذر.



